الاسرىدراسات

دراسات نقدية في أدب الاسرى “من خلف القضبان تنسج الشمس خيوطها “

كنعانيات _فادية عليوة 

 بلا شك تمثل السجون والمعتقلات تجربة أليمة تستنهض الأديب لإخراج كل ما في جعبته حبرا على ورق، قضية الأسرى الفلسطينيين إحدى القضايا المهمة بالنسبة للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات باعتبارها قضية جامعة للكلّ الفلسطيني منطلقة من الثوابت الوطنية الفلسطينية ولقد تجاوز عدد الأسرى الفلسطينيين منذ العام 1967 وفق دائرة الإحصاء بهيئة الأسرى والمحررين ما يزيد عن أحد عشر ألف فلسطينيي .

 

إن إبداع الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة، وما صاغته وتعارفت عليه القوانين الدولية، وما توصلت إليه الإنسانية، من أعراف ومفاهيم تعطي الحقّ للشعوب المقهورة، برفع الظلم عن كاهلها و تحقيق غاياتها وصولاً للنصر، و قد منحت الحركات الثورية حقّ النضال بكافة الأشكال، واستخدام مختلف الأساليب الإبداعية التي كفلتها الأعراف والقوانين الدولية.

 

إنَّ تجربة الأسرى قاسية و تشكل خبرةً مؤلمة على حياتهم، سواءً أكان ذلك على المستوى النفسي أو الاجتماعي، أو الاقتصادي، فبعد أنْ كانت قضية التعليم والثقافة في السجون اختيارية إلا أنها مع الوقت ومع إنشاء المؤسسات الاعتقالية أصبحت عامة وملزمة، وهذا ولد المزيد من الطاقات والإبداعات،  لم تعد مرتبطة بطاقات فردية، أو كفاءات متفرقة.

 

ولقد برز في المعتقلات كُتاب القصة، وشعراء، ومترجمون، وباحثون، ومختصون، في التحليل السياسي، والعسكري، والفكري، والاقتصادي، حتى إنّ بعض المعتقلين اتجهوا لدراسة علم النفس، والتعمق فيه، وإلى تعلم اللغات: كالعبرية، والإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإسبانية، والروسية.

 

كما استطاع المعتقلون أن ينجزوا مكتبةً متنوعةً وشاملةً لكتب تبحث في صلب المشاكل التي يعاني منها الفلسطيني أينما كان، فلا عجبَ أنْ نجد إسرائيل كيانًا يُمارس مصادرة الكلمة وحرية الإيداع ، ولقد كان المشهد الثقافي داخل سجون الاحتلال من أهم معالم الحياة الاعتقالية التي صاغتها الحركة الأسيرة منذ نشأتها إلى يومنا هذا .

 

فالإبداع الأدبي الطالع من بين الجدران، خلف القضبان، وأبواب الفولاذ، يعكس بشكلٍ جليّ طبيعة التجربة الوطنية الفلسطينية الأسيرة متضمنةً كلّ قيم الثورة الوطنية والفداء، مصوغةً بكلماتٍ تتكيّف مع رقي وتطور الأشكال التنظيمية والأساليب النضالية، باعثةً فيها روح التغيير والتقـدم والخلق، بغية تثبيت الأرقى من المفاهيم الكفاحية في عمليةٍ لا تتوقف، لتجذير المُثل العليا الوطنية، مما يعني الاندماج والانخراط في صميم القضية الوطنية بالكلمة الثائرة التي تشعّ شعورًا نضاليًا جامحاً، تتحول إلى رصيدٍ و مخزون ثوري هائل، يمدّ العملية الثورية بشلالاتٍ بشرية مؤمنة بقضيتها تصبّ في نهر الثورة العظيم.

 

مدخل البحث

ايمانا منا بقضية الاسرى وسعيا الي التعمق في تفاصيلهم الخفية خلف القطبان ومن بينها جرحهم النازف من دمه ولحم و المسطر ضمن اوراق رسم ملامحها ظلام السجن وجبروت السجنان أجمع بعض مما تسير من ذاكرة الورق إبداع الاسرى ونتاجهم الادبي فخرا بهم وتقدير مني أنقله اليوم في ابسط صورة …

 

 

 

قضية الاسرى بين مد وجزر

 

ليست المعاناة وحدها هي الثمار الوحيدة التي يقطفها الأسير في السجون الإسرائيلية، فالسجن يسمح لمن فيه، بلحظات تأملية قد لا يجدها المرأ خارجه، لذلك تفرز هذه اللحظات التأملية، فرصة لدى البعض لاكتشاف ذاتهم، وإخراج مكنوناتهم والتعبير عنها بشتّى الطرق، فلهم من القصائد الأدبية تعبر عن معاناتهم وشكواهم وهمومهم تخطها أقلامهم من داخل السجون فهناك مجموعة من الاسرى هم أدباء وشعراء مثقفين يحملون رسائل بعثت أغلبها من داخل السجون .

النتاج الأدبي للأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية والذي بات يعرف بأدب المعتقلات ، يشهد مرحلة جزر مؤخرا رغم وصول عدد الأسرى في السجون والمعتقلات إلى ما يقارب أحد عشر ألف أسير .

ويعزو الكثير من المراقبين تراجع الحركة الأدبية للأسرى إلى التراجع العام في مسار الثورة الفلسطينية والإحباط الذي يكتنف الأسرى من نتائج المسيرة السياسية مع إسرائيل .وبدأ التأريخ لأدب المعتقلات في فلسطين مع بداية الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1967 ، حيث فتحت إسرائيل المعتقلات والسجون للفلسطينيين ومعها بدأت الحركة الأسيرة الفلسطينية معركة القلم والورقة مع الاحتلال

 

التثقيف والتعليم الذاتي للأسرى أفضل مما عليه الوضع حاليا ، لقد خرجت السجون أدباء ومبدعين وصدرت كتبا ،وحركة التبادل الثقافي مع الخارج كانت كبير،ويبين أنه رغم أن الإجراءات الإسرائيلية في السجون كانت أكثر صرامة فيما يتعلق بالسماح للأسرى باقتناء أدوات الأدب من كتب وورق وأقلام ، غير أن الأسرى استطاعوا أن يصدروا للخارج نتاجهم الأدبي خفية عن إدارات السجون .

 

واستخدم الأسرى الفلسطينيون على مدار سنوات من الاحتلال الإسرائيلي ما يعرف بالكبسولات لتهريب رسائل وكتابات خارج السجون حيث يقوم الأسير الذي قاربت مدة محكوميته على الانتهاء ببلع كبسولات قبل ساعات من الإفراج عنه تحتوي بداخلها أوراقا ورسائل مكتوبة بخط صغير الحجم ا ،ثم يقوم بعد الإفراج عنه بإخراج هذه الكبسولات لذلك فإن عددا كبيرا من الروايات والقصص والقصائد المعروفة في الأدب الفلسطيني كتبت داخل السجون.

 

صناعة الحلم من خلف القطبان

على الرغم من المعاناة التي يواجهها الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن المعايشة اليومية للقهر والقسوة في ظل احتلال لا يعرف الرحمة ويمارس شتى أنواع العذاب بحق الأسرى تخلق نسيجًا من  العلاقات الإنسانية المتميزة التي تجمع المعتقلين وتؤلف بين قلوبهم؛ ما يسهم في إيجاد جو خصب متميز تنمو فيه إبداعاتهم وتتطور، لتبني طرازًا ذا نكهة فريدة تسجلها اللحظات التأملية التي يحياها السجين بعيدًا عن أهله وأحبته.

إن مجموع هذه الإبداعات التي ولدت في عتمة الأقبية وظلام الزنازين وخلف القضبان الحديدية، التي خرجت من رحم الوجع اليومي الذي يحياه الأسرى الفلسطينيون، والمعاناة النفسية التي كانت نتاجًا لفنون السجان المحتل في التعذيب والتنكيل – اصطلح على تسميتها بـ”أدب السجون”.

ويمثل الأدب الذي كتبه المعتقلون الفلسطينيون في المعتقلات “الإسرائيلية” صورة حية وواقعية للمعاناة التي مروا بها وعايشوها، ولم يأت هذا الأدب تنفيسًا عن لحظة اختناق أو تصويرًا للحظات بطولة؛ إنما عبر عن حالة إنسانية وأبعاد فكرية ونضالية.

 

مراحل تشكيل أدب المعتقلات
قد يكون المرء غير مبالغ إذا قال أن نحو 85% من أبناء الشعب الفلسطيني على امتداد مساحة الوطن المحتل دخل المعتقل “الإسرائيلي”، وذاق صنوف العذاب وتشرّب آلام القهر والحرمان، وواجه جلاّده بالصبر والصمود والتحدي؛ منهم من تحرر، وأكثرهم مازال ينتظر، وبعضهم لقي ربه هو يشدّ على القضبان.

ولم يتصر الاعتقال على الرجال؛ بل طال نساء فلسطين المناضلات اللاتي دخلن المعتقل، وتعرضن للتعذيب والقهر والإذلال، إلا أنهن اثبتن شجاعتهن وصمودهن أمام جلاديهن. ومن أسماء النساء اللاتي كتبن خلف القضبان: ناهدة نزال، وزكية شموط، وختام خطاب، وسعاد غنيم، وجميلة بدران، وحليمة فريتخ، وعائشة عودة.

إن المعتقل الفلسطيني بفكره ومحتواه الثوري والنضالي، يشكل هدفًا أساسيًا للاحتلال” الإسرائيلي “الذي كرّس كل طاقاته وجهوده في كل المجالات وعلى كافة الأصعدة لتشويش فكره ووعيه، وتشويه سلوكه وأفعاله النضالية؛ من أجل جعله في حالة شك ذاتي؛ لإحباط توجهاته وتفكيك قدراته الكفاحية والثورية؛ بهدف ترويض إبائه وتحطيم إرادته وصموده .

ومن الأساليب التي سعى الاحتلال “الإسرائيلي” لممارستها على المعتقلين الفلسطينيين لتنفيذ مخططاته، سياسة الإفراغ الفكري والثقافي، التي تهدف إلى زرع ثقافة مشوّهة بديلة، تعمل على صياغة نفسية المعتقل من جديد وتطويعه وفق إرادتها؛ لهذا قامت سلطات الاحتلال بإعلان الحظر التام على الثقافة الوطنية والإنسانية؛ بل على كل وسيلة ثقافية؛ حتى الورقة والقلم والكتاب؛ فقد كانت سلطات الاحتلال تعتبر أن امتلاك ورقة وقلمًا من الأمور المرتبطة بالحضارة والرقي.

لهذا لم يسمح الاحتلال بأن يتوجه معتقليه نحو رفاهية الحضارة والرقي؛ بل عليهم أن يبقوا تحت القهر والإذلال وكتم الأنفاس؛ فكان لابد للمعتقلين من إيجاد وسيلة للتغلب على مشكلة الورقة والقلم؛ فعملوا على تهريب أدوات الكتابة من خلال زيارات الأهل؛ أو عن طريق المحامين؛ كما استفادوا من مواسير الأقلام التي كانت توزع عليهم لكي يكتبوا رسائل لذويهم مرة في الشهر؛ وكان لا بد من إخفاء إحدى المواسير وتحمّل تبعات ذلك من عقاب جماعي، ومن ثم استخدموا هذه الماسورة في كتابة ما يريدون؛ وبنفس الطريقة تمكنوا من توفير الورق. كما استخدم المعتقلون مغلفات اللبنة والزبدة بعد غسلها وتجفيفها للكتابة عليها..

واستمرت سياسة الحصار الثقافي والفكري من عام 1967 وحتى عام 1970؛ حيث أدرك المعتقلون خطورة الوضع الذي يعيشون فيه، وأحسوا بالفراغ الفكري والثقافي، تحت ضغط عدم تواصلهم مع العالم الخارجي، فهم في عزلة مقصودة ومبرمجة. ما حدا بهم إلى المطالبة بإلحاح ومثابرة بإدخال مواد ثقافية من كتب وصحف ودفاتر وأقلام.  وكانت إدارة السجون الإسرائيلية تماطل في تنفيذ مطالب المعتقلين؛ متذرعة بأسباب عديدة؛ لكن هذه المماطلة لم تثبط عزائم المعتقلين. فخاض السجناء غمار عدة ميادين كالاحتجاج المباشر، والإضراب عن الطعام، والاتصال بالصليب الأحمر الدولي؛ الأمر الذي جعل إدارة السجون ترضخ في النهاية لمطالبهم، خصوصًا بعد الإضراب الكبير الذي عمّ المعتقلات في عام 1970؛ فقد اضطرت سلطات السجون إلى السماح بإدخال الكتب والصحف والدفاتر والأقلام من خلال الصليب الأحمر؛ إلا أنها وضعت قيودًا على ذلك تمثلت في: إخضاع المواد المكتوبة للرقابة والتدقيق والفحص الأمني، وتحديد نوعية الكتب المسموح بإدخالها، وتحديد كمية الأقلام والورق؛ وأخيرا فرضت على كل معتقل أن لا يقتني أكثر من كتاب واحد؛ وفي حالات كثيرة كانت تقوم سلطات السجون باقتحام غرف المعتقلين ومصادرة الكتب والدفاتر والأقلام كعقاب لهم.  ورغم كل هذه الإجراءات والممارسات القمعية التي تمارس ضدهم، إلا أنهم تمكنوا بقوة الإرادة والصمود من إنتاج أدب متميز حمل بصمات التجربة التي عايشوها .

ولم تأت التجربة الإبداعية للمعتقلين دفعة واحدة؛ بل مرت بعدة مراحل صقلتها فغدت جوهرة فريدة أثبتت حضورها ومكانتها في المشهد الأدبي الفلسطيني، وهذه المراحل هي ..

 

المرحلة الأولى
وهي مرحلة السبعينيات التي نجح فيها المعتقلون في فرض مطالبهم على إدارة السجون الإسرائيلية. وقد استخدم المعتقلون المواد التي حصلوا عليها في برامج تعليمية، حيث يقوم المتعلم من المعتقلين بتعليم عدد من المعتقلين الذين لا يعرفون القراءة والكتابة؛ ما دفع هذا المعلم القائم بدور المدرس، إلى تحسين مستواه الثقافي والعلمي؛ لكي يكون قادرًا على العطاء بالمستوى اللائق؛ فأخذ في الاطلاع والقراءة في الكتب المتوفرة بين يديه؛ ما مهد الطريق للانتقال من الدور التعليمي إلى الدور التثقيفي.  وهذا التثقيف ارتبط بالمسألة الحزبية والتنظيمية؛ حيث يقدم المثقف ثقافة حزبية عبر محاضرات يلقيها حول حزبه وأدبيات التنظيم؛ في محاولة لاستقطاب أفراد جدد إلى تنظيمه الذي ينتمي إليه؛ أو زيادة الوعي والمعرفة الحزبية والسياسية لدى أفراد تنظيمه.

وفي هذه الفترة شكّلت الرسائل التي يبعثها المعتقل إلى ذويه الكتابة الأدبية الأولى من خلف القضبان، حيث حاول المعتقلون في رسائلهم استعمال ديباجات إيحائية معينة لجأوا إليها لتمويه الرقيب الإسرائيلي؛ فكانوا يختارون أبياتًا من الشعر أو عبارات من النثر، يسطرون بها رسائلهم. وما بين التعليمي والتثقيفي والأسلوب الرسائلي نتج الإبداع الأدبي؛ حيث لم يكن الأدب معزولًا عن التفاعلات النشطة في الحياة الجديدة التي أخذت بالتبلور بين المعتقلين.  وقد كان الأدب أكثر التصاقًا بواقع المعتقلين؛ فقد كان وسيلة للتعبير عما يعتمل في النفس البشرية.  وكان التعبير بالشعر البدايات الأولى في إبداع المعتقلين، فهو أسرع الأنواع الأدبية استجابة للتعبير عن المعاناة؛ لهذا لجأ عشرات المعتقلين إلى المحاولات الشعرية التي تترجم مشاعرهم وتعبّر عن مكنونهم النفسي .

ومن الكتابات التي صدرت وتعبر عن هذه الفترة ديوان شعري مشترك بعنوان (كلمات سجينة)؛ وقد صدر بخط اليد في معتقل بئر السبع عام 1975.  ومن المعتقلين الشعراء الذين نشروا قصائدهم في هذا الديوان: محمود الغرباوي، مؤيد البحش، محمود عبد السلام، عبد الله الزق، وليد مزهر، وليد قصراوي، نافذ علان، وليد حطيني، عمر خليل عمر، مشهور سعادة.

 

المرحلة الثانية

تطور الإبداع وتعدده: كان تطور الإبداع لدى المعتقلين وتعدد أنواعه سمة فترة الثمانينيات؛ ففي هذه المرحلة اتسعت معارف المعتقلين وتشعّبت ثقافاتهم؛ بعد السّماح بإدخال الكتب الثقافية المتنوعة، وخاصة الكتب الأدبية التي كان نصيبها من الرقابة المشددة أقل نسبيًا من الكتب السياسية؛ ما أتاح للمعتقلين فرصة الاطلاع على نماذج محلية وعربية وعالمية دعمت بشكل إيجابي تطور التجربة الإبداعية لدى المعتقلين. كما لعب المثقفون والأكاديميون الذين اعتقلوا في هذه الفترة دورًا أساسيا في التجربة الأدبية داخل المعتقل؛ حيث ساهموا في توجيه المعتقلين من الكتاب والأدباء نحو آليات وقواعد الشعر والنثر.

وقد تمكّن المعتقلون في فترة الثمانينيات من تهريب نتاجاتهم الإبداعية إلى خارج المعتقل؛ واهتمت الصحف والمجلات المحلية بنشر إنتاجهم؛ ما شجعهم على مواصلة الكتابة وتطوير إبداعاتهم.  ومن الصحف والمجلات التي نشرت أعمالهم الإبداعية: البيادر الأدبي، والشراع، والكاتب، والفجر الأدبي، وعبير.  كما عملت دور النشر والمؤسسات الثقافية والحزبية على نشر إبداعات المعتقلين في كتب مثل: اتحاد الكتاب، ودار القسطل للنشر، ودار الآباء والبنون للنشر، ودار الزهراء، ومركز التراث في الطيبة، وغيرها. كل هذا ساهم في تطور التجربة الإبداعية لدى المعتقلين؛ بالإضافة إلى نضوج الحالة الثقافية الناتجة عن المسيرة التثقيفية الطويلة والشاقة التي خاضها المعتقلون مع أنفسهم؛ في سبيل إبراز ذواتهم للخروج من حالة العزلة التي يسعى الاحتلال إلى تكريس فرضها عليهم؛  لهذا ارتقى وتطوّر إبداع المعتقلين، من الشعر إلى الخاطرة إلى القصة القصيرة، إلى النص المسرحي الذي كان يمثل في المناسبات الوطنية داخل المعتقلات، وقد صدرت النصوص المسرحية لاحقا في كتب .

كما تتوجت إبداعات المناضلين الأسرى أيضًا بإصدار روايات من داخل المعتقلات، كانت في أغلبها روايات تسجيلية تحكي واقع المعتقل وظروفه المعيشية، وممارسات السجان السادية تجاه المعتقلين.

كما حاول المبدعون المعتقلون توصيل نتاجاتهم إلى أكبر عدد من المعتقلين؛ وذلك بالتغلب على مسألة النشر غير المتوفرة داخل جدران المعتقل؛ بالعمل على إصدار مجلات أدبية تضم نصوصا أدبية مختلفة لعدد كبير من المبدعين؛ وكان يكتب منها بخط اليد أكثر من نسخة وتوزع على المعتقلين، ومن هذه المجلات: “الملحق الأدبي” لمجلة “نفحة الثورة”، ومجلة “الصمود الأدبي” في معتقل عسقلان، ومجلة “الهدف الأدبي” في معتقل عسقلان التي صدرت عام 1981، وأشرف على تحريرها كل من: منصور ثابت، وعبد الحميد الشطلي، ومحمود عفانة؛ ومجلة “إبداع نفحة” التي صدرت عن اللجنة الثقافية الوطنية في معتقل نفحة، وأشرف على تحريرها كل من: فايز أبو شمالة، وسلمان جاد الله، ومعاذ الحنفي، ومحمود الغرباوي؛ ومجلة “صدى نفحة” التي أسسها عام 1989 كل من المبدعين المعتقلين: معاذ الحنفي، وسلمان جاد الله، وفايز أبو شمالة؛ وكتب على صفحاتها: عبد الحق شحادة، ومحمود الغرباوي، وهشام أبو ضاحي، وهشام عبد الرازق، وزكي أبو العيش، ومنصور ثابت، وماجد أبو شمالة، وسمير المشهراوي، وغيرهم. وقد نشرت دار القسطل للدراسات والنشر بالقدس نسخة من مجلة “إبداع نفحة” كما هي بخط اليد عام 1990، وضمت قصائد شعرية وقصصًا قصيرة، وخواطر، وزجلًا شعبيًا.  ومن المبدعين المعتقلين الذين نشروا على صفحاتها: سليم الزريعي، محمود الغرباوي، هشام عبد الرازق، معاذ الحنفي، وحسام نزال، وكمال عبد النبي، ومؤيد عبد الصمد، وهشام أبو ضاحي، وبسام عزام، وليد خريوش، وعبد الناصر الصيرفي، وماجد الجراح، وفايز أبو شمالة، وسمير طيبة، وسمير قنطار، وزكي أبو العيش، وسعيد عفانة، ومحمود الكبسة، وأشرف حسين، وعبد الحق شحادة، وجبر وشاح.

ومن الأعمال الأدبية الإبداعية التي نشرت في هذه الفترة: ديوان “درب الخبز والحديد” لعدنان الصباح (1981)، وديوان “أيام منسية خلف القضبان” لمحمد أبو لبن (1983)؛ والمجموعة القصصية “الطريق إلى رأس الناقورة” لحبيب هنا (1984)، والمجموعة القصصية “ساعات ما قبل الفجر” لمحمد عليان (1985)؛ ورواية “زنزانة رقم 7” لفاضل يونس (1983).

المرحلة الثالثة

الانتفاضة : شهدت هذه المرحلة تنوعًا في إبداعات المعتقلين وتطورًا كميًا في النتاجات الإبداعية؛ وقد تحول الأدب من ممارسة هواية وثقافة جمالية، إلى مشاركة نضالية في أحداث الانتفاضة وزخمها الثوري.

وشهدت هذه الفترة زيادة ملموسة في عدد الكتب التي صدرت للمبدعين المعتقلين؛ وأولت دور النشر والمؤسسات الثقافية والمجلات والصحف عناية خاصة بأدب المعتقلات.
المرحلة الرابعةـ

ما بعد قيام السلطة: أثر الوضع السياسي الذي أفرزه اتفاق أوسلو وما نتج عنه من تغيرات لمفهوم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تأثيرًا كبيرًا على الإنتاج الأدبي والإبداعي لدى المعتقلين الفلسطينيين في المعتقلات الإسرائيلية؛ إذ حدث تراجع في الكتابة الأدبية والإبداعية، وغاب الزخم الذي شهدته السبعينيات والثمانينيات.

وشهدت هذه الفترة كتابات متعددة في أدب المعتقلات كتبها معتقلون سابقون تحرروا بموجب اتفاق أوسلو، بعضها كُتب داخل المعتقل مثل: رواية “قمر سجين وجدران أربعة” لمعاذ الحنفي، كتبها في معتقل نفحة بين عامي 1989 و1990، ونشرها في غزة عام 2005؛ ورواية “عاشق من جنين” لرأفت حمدونة، التي كتبها في معتقل نفحة، ونشرها في غزة عام 2003، و”الشتات” كتبها في معتقل بئر السبع، ونشرها في غزة عام 2004، ورواية “ستائر العتمة” لوليد الهودلي، التي كتبها في المعتقل، ونشرها بعد تحرره عام 2003.

وثمة كتابات كتبت داخل المعتقل وهربت إلى الخارج ونشرت مثل: رواية ظل الغيمة السوداء، وعلى جناح الدم (2006) لشعبان حسونة، التين كتبهما في المعتقل الذي يقضي فيه حكما مدى الحياة.

القضايا التي تناولها أدب المعتقلات
إن واقعية ما تطرحه التجربة الإبداعية في المعتقلات تعكس حقيقة الواقع الذي عاش فيه المعتقل الفلسطيني وتكشف بشكل فعّال عن المُثل العليا الوطنية السياسية و الاجتماعية وعن المضمون النضالي والإنساني.

وقد حاول الأدباء المعتقلون جاهدين من خلال نتاجاتهم الإبداعية، أن يكونوا صادقين مع تجربتهم، أوفياء لها، يسجلونها بصدق وأمانة؛ لأنها تعكس ما في دواخلهم من مشاعر وطموحات وتحديات وروح عالية، وتمسك بالهدف السامي الذي اعتقلوا في سبيله..

لقد شكلت قسوة الاعتقال، بما فيها من كبت نفسي وتعذيب جسدي، تربة خصبة لتفجر الطاقات الإبداعية، كردّ فعل طبيعي ومنطقي على ممارسات القمع.  وهذه التجربة الإبداعية كان لها تأثيرها على المعتقلين من حيث تعزيز صمودهم وتحديهم لممارسات السجان؛ كما ساهمت في خلق الظروف المناسبة وتهيئتها لتربية الإنسان الفلسطيني وتجذير انتمائه وتصليب إرادته؛ وتمكينه من بناء الذات الوطنية التي تؤهله لكسب معركة الصراع التي يخوضها ضد الاحتلال.

وقد تناول المبدعون المعتقلون في كتاباتهم الأدبية، قضايا مرتبطة بظروف اعتقالهم، وبتفاعلهم مع الأحداث الخارجية خصوصًا في مرحلة الانتفاضة، ومن القضايا التي عبروا عنها

ـ تسجيل واقع المعتقل ورسم صورة للسجان وممارساته ضد المعتقلين، من تعذيب وضرب على أماكن حساسة، وخنق بالكيس في الرأس، وكتم الأنفاس، وتعصيب العينين، والشبح، والهز العنيف بعد تقييد اليدين للخلف، وخلع الأظافر، وتحطيم الأسنان .

ـ لم يقتصر انشداد المعتقلين على مصيرهم الشخصي، وعلى الوجع والقهر الذي يعانون منه؛ بل تفاعلوا مع أبناء شعبهم في نضالاتهم ضد الاحتلال بالكتابة والإبداع؛ كما تفاعلوا مع الأحداث الوطنية الكبرى: كاجتياح لبنان، ومذبحة صبرا وشاتيلا، والاعتداء على المخيمات في لبنان، والانتفاضة، وغيرها؛ وأكدوا أيضا على مسألة انتمائهم لعروبتهم ووطنهم العربي الكبير.

وعبّر المعتقلون عن أحلامهم بالليل التي تمتزج فيها المشاهد بين القيد والانطلاق؛ حيث يظل المعتقل القابع خلف القضبان مشدودًا إلى العالم الخارجي ، مدينته وقريته ومخيمه وأهله، وجميع من ارتبط معهم بذكريات، وتبقى الحرية هاجسه وأمنيته التي تعشّش في أعماقه.

ـ يُعد السجن القابع فيه المعتقل من أكثر الموضوعات التي تناولها الأدباء المعتقلون، ومجالًا خصبًا لإبداعاتهم؛ وذلك لما انطوى عليه من تعذيب وقهر وحرمان وذل ومهانة؛ وكذلك لما انطوى عليه من بطولة وتحدٍ وإرادة وإصرار وثبات ورباطة جأش وتضحية وعطاء

 

اﻟﺘﺠﺭﺒﺔ ﺍﻟﺜﻭﺭﻴﺔ ﺍﻟﻨﻀﺎﻟﻴﺔ في معركة الرصاصة والقلم

 

للأسر واقعه الخاص وأبجدياته الخاصة .. فلا عجب إن رأينا أن للأسرى قاموسهم الخاص .. وتعبيراتهم الخاصة … فهم متميزون بحياتهم .. وبطقوسهم … بأفراحهم .. وأتراحهم … فللمناسبة في ذات الأسير لونها المميز … وطعمها الخاص … وحياتهم بكليتها وإن كانت تحمل طابع المحدودية في الأشياء والإمكانات .. إلا أنها مزدحمة بالمعاني والقيم .. وها أنذا أسعى لعل اللغة تطوع بين يدي تعبيراتها .

 

من البديهي أن يلحظ المتابع لإنتاج الأسير الفلسطيني … أن هنالك جملة من المميزات التي اختص بها أدب السجون لاسيما النمط الملتزم بقيمه والمنسجم مع مبادئه .. والمتساوق مع نبض قضيته … إذ يلامس الهموم العامة ويتجاوز الهم الفردي … وإن كان قد خص بمساحة جيدة في بعض الكتابات … ومن بين هذه المميزات التي حف بها الأدب في باستيلات العدو … سواء كان ذلك شعراً أو نثراً :

 

  1. العمق : إذ نلاحظ إن الإنتاج الأدبي يمتاز بعمق التعبير في الدلالة والمضمون … وفي الربط بين الفكرةوالأسلوب .
    2. الرمزية .. فغالباً ما يلجأ الكاتب إلى الرمز للتعبير عما يعتلج في حناياه … إذ أن الفكرة الكبيرة التي تحيا في ضمير مفعم بالحيوية ربما تعجز التعابير والألفاظ وإن تضمنت كل تحسين أو تنميق أن تحيط بها تصويراً وبناءً .

3_ التصوير الفني : فكثيراً ما ترى أن الأديب في قلاع الأسر يلجأ إلى فرط عقود اللغة وما حوت من جمان وجواهر ليعيد تشكيل فكرته وشعوره في قالب لغوي جديد .. إذ يغدو الحرف كالريشة في يد الفنان في تشكيل لوحته التي سكب فيها جمالية الإبداع التي تسكن شغاف روحه … فتعطيك المقطوعات الأدبية لوحات رائقة .. أو مشاهد صامته … أو انعطافات على مشاهد حية مفعمة بالحركة ..

4_ البلاغة : فالصناعة البلاغية ( سواء ما يعرف بعلم المعاني .. أو علم البيان ) رائج الاستخدام … كالكنايات والاستعارات والتشبيهات والمجاز المرسل … والمحسنات اللفظية والبديعة … التي تحمل طابع التلقائية في التعبير دون تكلف أو تشدق .

4_ الاختزال.. وأقصد به ضغط الفكرة التي تحتاج إلى فقرات طويلة في فقرة قصيرة …وربما تحتوي الفقرة الواحدة عدة أفكار … وقد تحتوي الجملة الواحدة عدة صور أدبية وبلاغية … وكثيراً ما تكون متداخلة .. لازدحام المشاعر وتدفقها .

5_ العاطفة .. وأكثر ما يميز الأدب هو العاطفة المتأججة … فلا تكاد تجد مقطوعة متكلفة المبنى أو المعنى … وإنما منسجمة في مبناها ومعناها مع العاطفة التي تحكم القالب اللغوي المستخدم … حتى أن بعض الشعراء يؤكدون أن العاطفة التي تدفعهم للكتابة … هي ذاتها التي تحدد البحر والقافية …والأسلوب والتعابير .. فتارة تجد الروحانيةالرائقة التي تترقى في مدارج الراحلين إلى ربهم … وكأن لكل حرف نبضاً ودموعاً … ولكل كلمة شوقاً ولواعج وخشوعاً .. وأخرى تسمعك فيها الحروف قعقعة وصليلاً … وتسفر لك الكلمات عن أرواح تجتاز حدود المستحيل .. فالكتابة في عرف الأسير مخاض مرحلة .. ونافذة جهاد يعيش مشاعره الملتحمة مع إخوانه في الميدان من خلالها.

6_ سعة الخيال … فترى الكاتب يلجأ إلى الخيال في الغالب لاستعارة الصور أو الأحداث .. فتتفاعل الفكرة في خياله مع صور إبداعية .. وكأنه يعيشها واقعاً .. فيسكبها بعد ذلك في قالبه اللغوي الخاص .

7_ الحزن المشوب بالتحدي : فمسحة الحزن لا تكاد تفارق المقطوعات الأدبية على اختلاف موضوعاتها .. حتى تلك التي أراد بها صياغة مساحة من الفرح … لا تكاد تخلو من ألم أو آهات أو دموع … فأفراحهم أفضل ما نعبرعنها بالجراح الباسمة .

كما أن التحدي وإرادة الصمود والمقاومة والحياة هي السمة الأبرز … حيث يدير الأسير صراعاً في الواقع الذي يحياه مجرداً من كل الأدوات إلا الإرادة الصلبة … فليس أقل من أن تبقى هذه الإرادة والعزيمة الفتية حاضرة فيكل مشهد … كدافع ومحرك … للتعبير عن تلك الكينونة التي رفضت استمراء الذل واعتصمت بحبل عقيدتها.

8_ الثقافة الواسعة .. حيث يهتم الأسرى بتنمية ذواتهم ومهاراتهم وقدراتهم في كل جانب يتوفر لهم … رغم قلة الإمكانيات وشح الموارد .. وكثرة التنقلات التي تحرم الأسير من الاستقرار .. وعزل القادة والكوادر الذين يسهمون بشكل فاعل في صياغة الهوية الفكرية والتنظيمية للأسرى على وجه العموم .. والمماطلة في إدخال الكتب اللازمة ( وهنا أضرب مثالاً .. إذ أنني مكثت أكثر من تسعة أشهر أحاول إدخال كتاب واحد من خلال زيارات الأهالي .

 

مجالات الكتابة لدى الاسرى

 

تتعدد المجالات التي تتجه إليها المواهب ..لكن في موضوعنا الذي نتحدث عنه تنحصر في الغالب فيما يلي :

1_ القصة والرواية … حيث تشهد السجون في هذه الأيام إقبالاً على كتابة القصة بأنواعها الطويلة والمتوسطة والقصيرة … ولا يفوتني في هذا المقام أن أشير إلى نقطتين هامتين .

الأولى: موضوع القصة يكاد يكون محصوراً في الصراع مع العدو .. سواء في الميدان قبل الاعتقال أو في أقبيةالتحقيق أو في الحياة اليومية داخل قلاع الأسر.
الثانية : وهذا من الوفاء أن ننسب إلى أصحاب الفضل فضلهم .. فحينما نتحدث عن القصة في أدب السجون فنحن نتحدث عن الأخ الفاضل ( أبو أحمد ) صاحب الباع الطويل … والذي أضفى إبداعاً لم يسبقه إليه أحد.. ومن أمثلة ما جادت به قريحته ( ستائر العتمة ) وغيرها .. وهي بالمناسبة منشورة منذ فترة … إضافة إلى عدد آخر من القصص المنشورة لذات الأخ.

2_ الشعر : وقد تميز بهذا اللون عدد أكاد لا أحصيه رغم اهتمامي بالموضوع … وقد اتخذ شكلين في نمط الكتابة .

أ. شعر المناسبة : وهو ما ينظم عادة في المناسبات الدينية والوطنية والحركية … كالهجرة والانطلاقة وذكرى ترجل القادة .. والمجاهدين .

ب. شعر الحالة : وهو الشعر الذي ينظم وفقاً للأحداث المستجدة … ووفقاً لما يعتمل في ذات الشاعر من هموم وأفكار ولا يرتبط بحدث معين أو زمن معين .
وأما عن موضوعه فهو يشابه القصة … وفي بعض الأحيان يأخذ طابع الهم الشخصي أو التعبير عن الذات كحالة إنسانية تعيش حاجاتها وتفاعلاتها المختلفة .

. 3_ المقال : وهي تتناول المواضيع المختلفة في مواكبة الأحداث السياسية والاقتصادية الفكرية والتنموية ..

4_ الخاطرة : وفي الغالب ما تكون قصيرة .. إذ تشكل طارقاً في الذهن .. نتج عن تأثير حدث ما … أو خبر أو ما شاكل ذلك … وفي بعض الأحيان تجد الخاطرة تطول كثيراً .. حتى تحتوى على جملة من الأفكار … وخليط منالمشاعر تمليها الحالة النفسية التي يعيشها الأسير. .

إن المدرسة النفسية في نقد وتحليل الأدب أياً كان مصدره … قد أثْرت المسيرة النقدية لما لها من أهمية في دراسة المؤثرات الذاتية الداخلية  والخارجية المحيطة بجو النص ) .. وتفاعلاتها .. وما أضفت على النص من تغييرات ..فهي تسهم بشكل كبير في حجم الانفعال وتحدد في بعض الأحيان اتجاهاته … فلا تكاد تجد نقداً موضوعياً شمولياً ..إلا وقد أولى الناقد العوامل والمؤثرات النفسية مساحة من الاهتمام .. وأثْراها بالتحليل والدرس .. وما أدب السجون بنافلة من بين الأدب .. بل هو الأكثر اهتماماً بالعوامل النفسية التي تشكل عوامل ضاغطة … بنسب متفاوتة على المنتوج الأدبي داخل باستيلات العدو .

 

العوامل النفسية التي تؤثر في لون واتجاه الإنتاج الأدبي في قلاع الأسر


 سلب الحرية وما يصاحبها من انفعالات وإجراءات متناقضة … تدخل في دائرة الفعل ورد الفعل .. وما يتطلب ذلك من إدارة صراع ذي أبعاد عميقة الأثر في ذات الأسير … فهو من ناحية يعيش همه الإنساني البحت في استعادة حريته … وما يصاحب ذلك من أفكار وهواجس حالمة في بعض الأحيان وأخرى ناقمة … ويعيش في الواقع تداعيات هذه الانفعالات … وتحت ضغط الإجراءات … وهذا يفقده في بعض الأحيان السمت العام لطبيعته وشخصيته … فيخرج من عباءة الشخصية الاعتيادية التي كان يحيا بها بين أقرانه … ليصوغ لذاته في ظل هذا الواقع الجديد المتشابك في تعقيدات إجراءاته … المحدود بوسائله وإمكاناته .. شخصية جديدة .. تتحدد ملامحها من خلال جملة من العوامل … منها :

أ‌) الالتزام الديني … واللون الفكري ..والخط السياسي الذي يعتنقه الأسير … وهذا العامل الأبرز بتأثيره في بناء الشخصية واستقرار ملامحها … فمن كان ذا خط عقدي وفكري مادي ..تجد السلبية غالباً هي السمة الأبرز في حياته … ولربما يدفعه الواقع إلى التأقلم مع القليل … وبذا تصغر الهمة ويتصاغر الاهتمام … وتقعد العزيمة … مما يخفض سقف الطموح … ويدفع باتجاه الجري خلف الفتات والسفاسف … وواقع هذا الصنف مشهود … وأما من ارتبطت نفوسهم بعقيدة الحق … واتخذ فكرهم ومنهجهم خط الوسطية …واتسم لونهم السياسي بالرشدانية …فترى جمعهم في حصانة وممانعة … فلا يكاد يتسرب إليهم وهن أو ضعف إلا وقد استدركوه بالترقي في معارج الإيمان …ومدارج التقوى والإحسان … لذا يكون اتجاه التغيير في ملامح الشخصية إيجابياً … على قاعدة ( انقلابالمحنة إلى منحة .
ب‌) الاستدراكات الجمعية في معالجة المؤثرات الفردية التي قد تبرز أحياناً … ( ولا أريد هنا أن أعقد المقارنة بين الخطين … الإسلامي والعلماني … بل سأقتصر في حديثي على الخط الإسلامي )… فالحياة الجماعية التي تأخذ طابع الترابط الأسري تشكل الحاضنة التي تخرج الذات من الانعزالية والتقوقع.. وهذا يثري النسيج الاجتماعي ويجعله أكثر تحصيناً ..ويسهم كذلك في بناء شخصية متوازنة ومعتدلة تتساوق مع الخط الفكري والنفسي العام للجماعة …

جــ‌) التنظيم للحياة العامة وعدم الارتجالية .. وهي سمة مميزة جداً … إذ يتم توظيف الطاقات والكفاءات والخبرات المتوفرة في نظام حياتي يشكل التطبيق العملي للنظام الإسلامي كدولة صغيرة جداً في واقع محدود وإمكانات محدودة .. وبذا تتوفر قيم العدل والرحمة والتضامن والمساواة في الحقوق والواجبات … وتتجسد قيم الطاعة في المكره والمنشط … وتسود روح الأخوة العميقة … وتتكافل الجهود في خدمة هذا الواقع وتطويره … فلا عجب إن رأينا أن معظم القادة في مختلف الميادين السياسية والفكرية والعسكرية …والنقابية قد صقلت تجربتها في هذه المواقع … وفي ظل هذا الجو …تتولد قيم ايجابية تتعزز في شخصية الأسير الذي يعيش هذا النظام واقعاً حياتياً.

د ) محاربة الفراغ : إذ يلجا الأسرى إلى ملء أوقات فراغهم بكل ما هو مفيد ونافع … وفق برامج مختلفة … منها ما هو إجباري … كالبرنامج الثقافي العام الذي يتم طرحه من قبل التنظيم في هذه الدولة الصغيرة … ومنها ما هو اختياري لمن أراد أن يوظف جل وقته في التعليم والاستفادة … وتعقد لذلك الدورات وتطرح المساقات في مختلف الميادين العلمية … وهذا الأسلوب من أهم الوسائل التربوية … التي تتم من خلالها عملية التعبئة والتأطير والتقويم والتصحيح .. إعادة البناء وفق الاحتياجات التنظيمية .. والدعوية والجهادية .وبذا تتحدد اتجاهات الإبداع لدى الأسرى ويتم توظيف المواهب في خدمة الهدف العام الذي يصبو إليه الجميع .

ه) الإجراءات القمعية والتعسفية التي تلجأ إليها إدارات السجون : من تفتيش وعقاب .. وعزل وقمع .. وابتزاز وما شاكل ذلك من إجراءات … وما يترك ذلك من شعور بالنقمة والضجر … والرغبة الجامحة بالمقاومة والرد على هذه الاستفزازات … وقد شهدت السجون بطولات منقطعة النظير في التصدي للقوات المدججة بأحدث الأسلحة القمعية .. وهنالك نماذج تفخر بها السجون .. أمثال ( المجاهد توفيق أبو نعيم من غزة .. والمجاهد طه الشخشير من عاصمة جبل النار .. والعشرات غيرهم ممن كان لهم بصمات مذهلة في ميدان المواجهة .

2_ التوحد مع القضية التي في سبيلها يقضي سني عمره خلف القضبان … حيث يترسخ في ذات الأسير أنه لم ينفصل عن ساحات المواجهة والجهاد من خلال اعتقاله بل هو في موقع جهادي متقدم …لذا يسعى بكل ما هو متاح لإذكاء جذوة الصراع .. وغالباً ما يكون على شكل نتاج فكري أو أدبي .. بدافع الإسهام في ثقافة المقاومة كعنصر حيوي وأساسي ..وضامن حقيقي، لاستمراريتها

الأحداث الخارجية : حيث يبقى الأسير على تواصل مع العالم الخارجي بكل جوارحه 3_
ويتفاعل مع أحداثه سلباً وإيجاباً ، لا سيما تلك التي ترتبط بالقضية .. والأمة والمقاومة ، …

4_ الهم الشخصي .. فبالإضافة إلى الهم العام الذي يحيا أسرانا ..هم الأمة والقضية والمقاومة والتخلص من نير الاحتلال .. فإن لكل أسير همه الخاص الذي يلازمه ، من فقد للأحبة وغياب عن الأهل .. وفراق للأقران…وهموم وأحلام لا تكاد تنحصر …

5_ شحّ الإمكانات المادية .. وهذا يجعل الجانب المادي في حياة الأسير يكاد يكون معدوم وهذا ينعكس على إنتاجه الفكري والأدبي .
6_ الروح القتالية العالية التي يتحلى بها الأسير.

 

أدب السجون: انتصار القيد على السجان
رغم كل ما يعانيه الاسرى من اجراءات تعسفية وانتهاكات يوميه، إلا انهم لم يستسلموا لهذا الواقع المرير، بل قاوموا بكل قواهم، واستطاعوا أن يسجلوا انتصارات متعددة على السجان وفى أكثر من صعيد، حيث صنعوا من المحنة منحه، وحولوا ظلمات السجن الى معاهد وجامعات تخرج المثقفين والمتعلمين واصحاب الشهادات العليا، والادباء والشعراء . وبالرغم من محاولات العدو الصهيوني لعزل الاسرى عن العالم الخارجي، حيث عمل السجان على قمع الأسرى وعزلهم، ومارس تعذيبه وقهره، ولجأ إلى منعهم من أبسط الحقوق الإنسانية مثل الحق في القراءة عبر منع إدخال الكتب، ومنعهم من حق الكتابة، فلم يسمح بإدخال الأقلام والأوراق الى السجون الا بعدد نضال على مدار سنوات سقط خلاله شهداء وجرحى، حيث ارتقى الأسرى في سبيل تحسين أوضاعهم المعيشية والإنسانية ، عبر مراحل نضالية طويلة ، فقد ظلت الحركة الوطنية الأسيرة ، تناضل أكثر من عشر سنوات لتستطيع أن تحقق انجاز امتلاك القلم والورقة . ويمكن لنا أن نتخيل الأوضاع الثقافية للأسرى في ذلك الحين، إذ انحصرت تجربتهم الثقافية في صور فلسفية غير ذات جدوى، وانحسرت خيالاتهم في رؤيا قصصية، تدفع إلى الركود والركون، وعدم التقدم بالحركة الثقافية, وهذا الحال ساد كافة المعتقلات بشكل عام، في بدايات تجربة الحركة الوطنية الأسيرة، التي كانت تمتلئ بالقمع والتنكيل، والاستهتار بالقيم الإنسانية، من قبل السجانين، ” إلا أن العديد من المثقفين ، أخذوا على عاتقهم البدء بمحاولة التغيير التنظيمي، والثقافي ، فبدأوا بعقد الجلسات الثقافية، وإلقاء المحاضرات الخاصة بالصراع الفلسطيني الصهيوني، من أجل الاستقلال.وقد أبدع الأسرى الذين كتبوا خلف القضبان بواكير إنتاجاتهم ، أو أولئك الكتاب والشعراء الذين تم اعتقالهم فأكسبتهم تجربة الأسر آفاقاً رحبة جديدة ، فالتجربة الثورية النضالية والإنسانية غنية جداً ، رغم التضييق على الثقافة و مصادرها ووسائلها الذي استمر لفترات طويلة ، داخل السجون والمعتقلات ، وما زال مستمراً حتى اليوم، فلا عجب أن نجد إسرائيل كياناً يُمارس مصادرة الكلمة وحرية الإبداع ، كما أنها الكيان الوحيد الذي قام بتشريع التعذيب ، ضمن قانون مكتوب يسمح بتعذيب الفلسطينيين أثناء فترة التحقيق . “وقد أبدع الاسرى في مجال الكتابة والنثر والشعر، فيما عرف باسم “أدب السجون” حيث اصدر العشرات من الاسرى المئات من الروايات والقصص القصيرة، ودواوين الشعر، والخواطر ، والكتب، التي رصدت المعاناة وعبرت عن مرارة التعذيب وآلام التنكيل وهموم الأسير، وكذلك آمل الاسرى في الحرية . ومن خلف قضبان المعاناة ، ومن عتمه السجون والزنازين رفد الأسرى الفلسطينيون الأدب الفلسطيني بدوافع الإبداع وروافد التميّز ، لقد اكتسب أدب السجون خصوصية الثورة وعنف المقاومة ، ورقة العشاق وطهارة الانتماء ، ولكن الأدب الأسير لم يأخذ حقه في البحث والأضواء رغم أن السجن ظلّ من أهم روافد الإبداع والتطور الفكري والثقافي والأدبي .

 

نتاج الأسرى الادبي داخل السجون

 

اسم الكتاب اسم الاسير
” نجوم فوق الجبين – عاشق من جنين – الشتات – ما بين السجن والمنفى حتى الشهادة – قلبي والمخيم – لن يموت الحلم – صرخة من أعماق الذاكرة  

رأفت خليل حمدونة

حكاية صابر محمود عيسى
ألف يوم في زنزانة انفرادي مروان البرغوثي
محاكمة شهيد و كتاب عكس التيار وليد خالد
مهندس على الطريق_أمير الظل_الماجدة_ ذكريات بلا حبر_جواسيس الشاباك الصهيوني_المقصلة عبد الله البرغوثي
رواية عمر القاسم أحمد  قاسم
خفقات قلب _قيود حرة ثامر عبدالغني سباعنة
حكاية الدم زاهر جبارين
الزنزانة رقم 706 جبريل الرجوب،
الأسرى.. حقوقهم، واجباتهم، أحكامهم ناصر عبد الجواد
ساعات ما قبل الفجر محمد خليل عليان
الواقع التنظيمي للحركة الفلسطينية الأسيرة أياد الرياحي
ستائر العتمة وليد الهودلي
احلام بالحرية عائشة عودة
”ترانيم من خلف القضبان” عبد الفتاح حمايل
أسفار العتمة ياسر ابو بكر
صهر الوعي وكتاب  يوميات المقاومة في مخيم جنين وليد دقة
نور السجن لا نار السجان عمر محمد غانم
”نداء من وراء القضبان، و”عناق الأصابع” عادل وزوز
الأسرى اولا خالد سعيد
يوميات اسير محكوم مدى الحياة مؤيد شكري حماد
“رمل الأفعى”، و”أحلام ابن النبي”، و”فضاء الأغنيات”، و”زمن الصعود”، ورغوة السؤال”، وقصص متناثرة في “كشكول الذهب”،و”عباءة الورد”، و”سرديات الجنون” المتوكل طه
حرب العصابات بين النظرية العلمية والتطبيق الفلسطيني محمد ناجي صبحة
رواية “المسكوبية” أسامة العيسة
عندما يزهر البرتقال_حلف الخطوط_ثورة عيبال _أنجلكيا عمار الزبن
كتاب “الاعتقال والمعتقلون بين الاعتراف والصمود” حسام خضر
”أيام مشينة خلف القضبان” محمد أحمد أبو لبن
درب الأشواك سليم حجة
نجوم فوق الجبين – عاشق من جنين – الشتات – ما بين السجن والمنفى حتى الشهادة – قلبي والمخيم – لن يموت الحلم – صرخة من أعماق الذاكرة رأفت خليل  حمدونة
طقوس المرَّة الأولى”، إضافة إلى ديوانه “أنفاس قصيدة ليلية”، مسك الكفاية

 

باسم خندقجي
أيام الرمادة” نواف العامر،
بصمات في الصحافة الاعتقالية” أمين أبو وردة،
ليل غزة الفسفوري_مدفن الاحياء وليد الهودلي
قهر المستحيل عبد الحق شحادة
“عكس التيار” و”محاكمة شهيد” “وليد خالد”
صهر الوعي” ل وليد دقة
ورواية “مسافر من أبراش المقابر رمزي مرعي”،
  حرب العصابات-بين النظرية العلمية والتطبيق الفلسطيني” و”بارود القسام” و”الصراصير- طريق الخداع” و”أمن المطارد”، “محمد صبحه
“”عميات الثأر المقدس لاستشهاد القائد يحيى عياش”. وهكذا حسن سلامة”
عناق الاصابع عادل وزوز
الأسرى أولا خالد سعيد
المجد ينحني عبد الناصر صالح
الجراح هشام عبد الرازق
أوراق محررة معاذ الحنفي
حوافر الليل فايز أبو شمالة
لن أركع عمر خليل عمر
اشتعالات على حافة الأرض خضر محجز
سجينة عزت الغزاوي
ستطلع الشمس يل ولدي منصور ثابت
صحفي في الصحراء حسن عبدالله
تحت السياط فاضل يونس
الشمس تولد من الجبل للأسيرين موسى الشيخ ومحمد البيروتي
شمس الارض على جرادات
رحلة في شعاب الجمجمة عادل عمر
المفاتيح تدور في الإقفال داخل المعتقل على الخليلي

 

مقتطفات من نتاج الأسرى

 

إبداع الأسرى هو ثمرة مميزة تصدر عن شخص مميز يحيا ظروفاً خاصة غالباً ما تكون معاناة وقهراً أو إحساساً بالظلم ، إن عملية الإبداع في الواقع ، هي تعبير عقلي قائم على مضمون وأحاسيس ، يرتفع بهم إلى الروحانية فنجد أن نتاجات الأسرى تمتاز عن سواها ، بأنها الأغنى والأكثر شمولية وزخمًا من حيث الكم والكيف بين تجارب الشعوب وحركات التحرر ، ويعود ذلك إلى ارتباطها بالقضية ، وطبيعة الاحتلال ” الذي يتعرض له الأسير من محنة سردها من حبر دمه على ورق لتضيء له ظلمات سجنه وتكون منحة من القدر …

 

رواية “الشمس تولد من الجبل” للأسيرين المحررين موسى الشيخ ومحمد البيروتي.

هي نطفة مهربة من السجن، وتطرق جوهر الأساليب الفنية والرموز التي عبأت الرواية، وهي اكبر من مجرد رواية واحدة، بل رواية الروايات عن التجربة الفلسطينية لأسرى الدوريات الفلسطينيين والعرب منذ التحاقهم في العمل الفدائي الفلسطيني حتى زجهم في سجون الاحتلال، وما بين ذلك يرفع الكاتبان صفحات النسيان ويوجعان التاريخ الذي لا زال ناقضاً في محاولة لتعديل حكاية كتبت من لحم ودم.

 

الرواية التي وثقت قصص العمليات الفدائية وهي تجوب المخيمات والقرى الفلسطينية ، وتجلب المزيد المزيد من المقاتلين الأغرار، منهم من سقط شهيداً على ارض فلسطين ومنهم من اختفى في مقابر الأرقام الإسرائيلية، ومنهم من القي القبض عليه وزج في السجون المظلمة ، ومنهم من عاد ونجا يحمل ذكريات من تراب ورصاص ودماء.

 

 رواية حكاية صابر_الأسير المقدسي محمود عيسى موسى

حكاية صابر، حكاية شخص تُجسّد حالة شعب، وحكاية شعب تتجسد في شخص، فيها مزج بين الواقع والخيال، خيال من أصل الواقع، وواقع أقرب إلى الخيال، يمثل فصولا من تاريخ شعب لا يقهر، شعب تكالب عليه الأعداء من كل حدب وصوب، وتخلى عنه القريب والبعيد، ثم عاد البعيد ليشارك في القهر، وعاود القريب الغدر والطعن في الظهر.

تبدأ الحكاية مع “النكسة”، يوم ولد صابر، يتيما بائساً فقيراً، استمد بؤسه وقهره من بؤس الوطن الذي عاث الغاصب فيه فساداً، فنهب خيراته، وسلب ثرواته، وراح يغيّر معالم حضارته، تاريخه، ثقافته، لغته وأصالته.

وكان صابر كلما امتد به العمر، ازداد بؤساً، وازداد جرح الوطن النازف عمقاً، حتى إذا بلغ رشده وبلغ عشرين سنة، وبلغ القهر ذروته، انتفض الشعب، وأعلن ثورته، ومضى بعزيمة وإصرار يبذل دماءه وجراحه في طريقه لاسترداد حريته، واستعادة كرامته، إلا أن بعضا ممن ثقلت همتهم وضعفت عزيمتهم اثّاقلوا إلى الأرض، وأرادوه عرضاً قريباً، وسفراً قاصداً، فساروا في طريق غير ذات الشوكة، وقادوا البلاد والعباد إلى التيه في صحراء الوهم، خلف سراب السلام “سبعاً عجافاً”.

ثم ما لبث أن انقشع الضباب، وتبدد السحاب، وبدت الحقيقة لكل ذي بصيرة واضحة جلية، أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوّة، وبقي من بهم داء “الاستمراء” في غيهم يعمهون، ما انفكوا يلهثون خلف الوهم والسراب، كلما تبدى لهم ركضوا خلفه، كأني بهم يريدون أن يغالبوا قدر الله، ويغيّروا ما قضاه، غير أن نهاية الحكاية لا يمكن، بل ينبغي أن لا تخط بغير ما خط به أولها. وكلما حاول هؤلاء رسم نهاية أخرى خاب أملهم، وضلّ سعيهم، ونقض كيدهم من بعد قوة أنكاثا، وسيبقى هذا حالهم حتى يحكم الله أمره، ويحق وعده، وينصر جنده.

من هنا فإنني تركت هذه الرواية دون خاتمة، لأن أحداثها ما زالت تدور وستبقى دائرة إلى أن يأتي اليوم الموعود، يوم يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الحكيم.

 

ﻭﻗﺎل ﺍﻟﺸﺎﻋﺭ ﺘﻭﻓﻴﻕ ﺯﻴﺎﺩ ﻋﻥ ﺇﺤﺩﻯ ﻟﻴﺎﻟﻴﻪ ﻓﻲ ﺴﺠﻥ ﺍﻟﺩﺍﻤﻭﻥ

ﺃﺘﺫﻜﹼﺭ ﺇﻨﻲ ﺃﺘﺫﻜﹼﺭ

(ﺍﻟﺩﺍﻤﻭﻥ) ﻟﻴﺎﻟﻴﻪ ﺍﻟﻤﺭﺓ ﻭﺍﻷﺴﻼﻙ

ﻭﺍﻟﻌﺩل ﺍﻟﻤﺸﻨﻭﻕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻭﺭ ﻫﻨﺎﻙ

ﻭﺍﻟﻘﻤﺭ ﺍﻟﻤﺼﻠﻭﺏ ﻋﻠﻰ

ﻓﻭﻻﺫ ﺍﻟﺸﺒﺎﻙ

ﻭﻤﺯﺍﺭﻉ ﻤﻥ ﻏﺵٍ ﺃﺤﻤﺭ

ﻓﻲ ﻭﺠﻪ ﺍﻟﺴﺠﺎﻥ ﺍﻷﻨﻘﺭ

ﺃﺘﺫﻜﺭ ﺇﻨﻰ ﺃﺘﺫﻜﺭ

ﻟﻤﺎ ﻜﻨﺎ ﻓﻲ ﺃﺤﺸﺎﺀ ﺍﻟﻅﻠﻤﺔ ﻨﺴﻤﺭ

ﻓﻲ ﺍﻟﺯﻨﺯﺍﻨﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺩﺍﻤﻭﻥ ﺍﻷﻏﺒﺭ

ﻨﺘﻨﻬﺩ ﻟﻤﺎ ﻨﺴﻤﻊ ﻗﺼﺔ ﺤﺏ

ﻨﺘﻭﻋﺩ ﻋﻨﺩ ﺤﻜﺎﻴﺔ ﺴﻠﺏ

ﻭﻨﻬﻠل ﻋﻨﺩ ﺘﻤﺭﺩ ﺸﻌﺏ ﻴﺘﺤﺭﺭ .

ﻭﺘﻌﻠﻭ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﻤﻘﺎﻭﻤﺔ ﻓﻲ ﻗﺼﻴﺩﺘﻪ ﻗﺎﺌﻼﹰ:

ﻴﺎ ﺸﻌﺒﻰ ﻴﺎ ﻋﻭﺩ ﺍﻟﻨﺩى

ﻴﺎ ﺃﻏﻠﻰ ﻤﻥ ﺭﻭﺤﻰ ﻋﻨﺩﻯ

ﺇﻨﺎ ﺒﺎﻗﻭﻥ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻬﺩِ/ ﻟﻡ ﻨﺭﺽ ﻋﺫﺍﺏ ﺍﻟﺯﻨﺯﺍﻨﻪ

ﻭﻗﻴﻭﺩ ﺍﻟﻅﻠﻡ ﻭﻗﻀﺒﺎﻨﻪ/ ﻭﻨﻘﺎﺴﻲ ﺍﻟﺠﻭﻉ ﻭﺤﺭﻤﺎﻨﻪ

 

ﺭﻏـﻡ ﺘـﻨﻭﻉ ﺍﻟﻘﺎﻓﻴﺔ ﻓﻲ ﻗﺼﻴﺩﺓ ﺘﻭﻓﻴﻕ ﺯﻴﺎﺩ ، ﻤﺎ ﺒﻴﻥ ﺍﻟﻜﺎﻑ ﺍﻟﺴﺎﻜﻨﺔ ﺍﻟﻤﺴﺒﻭﻗﺔ ﺒﺤﺭﻑ ﻤﺩ ﺍﻷﻟـﻑ ﻭﺍﻟـﺭﺍﺀ ﺍﻟﺴـﺎﻜﻨﺔ ﺍﻟﻤﺴﺒﻭﻗﺔ ﺒﺤﺭﻑ ﻤﺘﺤﺭﻙ ﺒﺎﻟﻔﺘﺤﺔ ﻭﺍﻟﺒﺎﺀ ﺍﻟﻤﺴﺒﻭﻗﺔ ﺒﺤﺭﻑ ﺴﺎﻜﻥ ﻭﺍﻟﺩﺍل ﺍﻟﺒﻭﺍﻋﺙ ﺍﻟﻤﻭﻀﻭﻋﻴﺔ ﻓﻲ ﺸﻌﺭ ﺍﻷﺴﺭﻯ ﺍﻟﻔﻠﺴﻁﻴﻨﻴﻴﻥ

 

رواية أحلام بالحرية _عائشة عودة

عائشة عودة في كتابها لا تقول كل سيرتها الذاتية بل تقتصر على قول تجربتها في المعتقل الاسرائيلي وبالتحديد خلال فترة التحقيق، وكأن ما هو خارج هذه التجربة غير موجود ولا يستحق التوقف عنده، فعمرها هو أيام التحقيق معها، والشيء ينطوي على نقيضه وينقلب الى ضده، وتغدو أيام التحقيق هي العمر والحياة التي تستحق ان تكتب فردياً وجماعياً، وفي «أحلام بالحرية»، ومن خلال نرصد قدرة الجسد على المقاومة، «لا أذكر اني كنت أتألم، ولكنني كنت أشحن إرادة الصمود والتحدي مع كل صفعة أو ركلة…»، تقول عائشة (ص 54). ونرصد قوة الروح، فحين ينهار الجسد يغدو عبئاً على صاحبه، ولذلـــك تتساءل عائشــــة: «ماذا أفعل بهــــذا الجسد الذي تحـــول الى دمّل؟»، وتقول: «روحي تنتمي الى عالم آخر مشرف وفوق أرضـــي»

 

أما، على المستوى الثاني، فيبدو المحتل جلاداً لا اسم له، ويمارس أبشع أساليب التعذيب بحق ضحاياه من دون تمييز بين رجل وامرأة. وقد يكون التعذيب جسدياً أو نفسياً. والسيرة هي سيرة للمحتل وأساليبه بقدر ما هي سيرة لصاحبتها، هي سيرة السجان والسجين، سيرة الجلاد والضحية في الآن نفسه. ولذلك، فإن المداهمات الليلية ونسف البيوت واعتقال النساء وأواليات التعذيب وزرع الشك والتفرقة والترغيب والترهيب والابتزاز والتحريض والقتل و… هي من لوازم الجلاد وسلوكياته اليومية. قامت عائشة عودة بتعريتها من خلال تجربة ذاتية حية معيشة، وليس من خلال المرويات والحكايات  ، والترجح بين الوقائع والذكريات والأحلام، والتنقل بين الداخل والخارج، والمزاوجة بين السرد والحوار

 

 

قصيدة يا نقب كوني ارادة_ تأليف الأسير الكاتب صلاح عبد ربه_ قضاء بيت لحم

 

التي تحولت الى أنشودة للحرية والأمل والإرادة بعد أن انطلقت كلماتها وإيقاعها من صحراء سجن النقب الصحراوي خلال الانتفاضة الأولى عام 1988 وهي من بين اهم الاناشيد التي قيلت في وصف سجن النقب والذي جعل من القصيدة فضاء آخر في تلك الصحراء البعيدة الجرداء حيث زج بآلاف الأسرى الفلسطينيين في معسكر لا ينبت فيه الزرع ولا يقترب من سماءه الطير .

 

يا نقب كوني إرادة ، كوني مجدا و ريادة

كوني سيفا كوني درسا

من دروس الانتفاضة

 

أصبحت القصيدة أغنية يرددها الأسرى في ذلك المكان الذي صار سجنا يحكمه الجيش الاسرائيلي .

 

أرادوك لنا قبرا فقلبنا القبر زهرا

وحلمنا الشمس فجرا لا لأنماط الإبادة

ورشفنا الحر كأسا وعشقنا الرمل همسا

وحلمنا الليل عرسا دولة ذات سيادة

 

أنشودة يا نقب جسدت تلك المعاناة في ذلك المعسكر الرهيب ، وحملت أحلام الأسرى وآمالهم وعبرت عن أسطورة صمود خارقة في ملاحم تحدي بطولية حتى تحولت الأنشودة الى شهادة ناصعة على التمسك بالحرية والكرامة ، وشهادة على جرائم ترتكب في ذلك القيظ بحق المعتقلين الفلسطينيي.

 

قد بنينا الآن صرحا

شاهدا كم فينا جرحى

كم شهيدا قال مرحى مرحى للشهادة

 

كلمات خضراء في صحراء جافة ، تدب الحياة ، ولا أحد يساوم أو يتنازل عن مبادئه ، صلاح عبد ربه في قصيدة يا نقب يستدعي الأمطار من السماء البعيدة ، ويجرى الرياح ، يزرع النبات في الرمل ، وتدب الحياة .

 

ها هم أطفال الحجارة يشعلون الأرض نارا

صوتهم جاء جهارا ثورة تحيي البلادا

نحن صوت الشعب فصل ولسيف العز نصل

قلنا لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة

يا نقب يا نقب كوني إرادة

 

إنه وعي الأسير المكوي بنار النقب ، الانتماء الذي لم يكسر ، صوت الانتفاضة الذي لم يخمد ، الدولة ذات السيادة التي ستشرق من ليل السجون ، وهي مسيرة متواصلة نحو الحرية والزفاف الإنساني لشعب يناضل من اجل الخلاص من الاحتلال والعبودية.

 

 

 

يا ولدي القاك غدا_الأسير عادل أبو حمزة _مخيم عسكر _سجن مجدو

الشعر لمن ..

من ذا يصغي ..

القلب لمن..

العمر الدافىء يا ولدي .. والقيد ثمن..

الحزن تمادى أغراني..والشوق شجن

والدمع تلألأ من عيني..والعين وطن

أيْ ولدي تابع كلماتي ..و النار سكن

والنور القادم والآتي ..موعده مَنْ

موعده أنت.. فكن جلداً.. القاك غداً

ما بين الركب اذا انطلقوا .. مطرا رعداً..

كن أنت الصاعقة البشرى ..فالعين وطن

حلق تزدان بك الدنيا .. القاك غداً.

 

باسم الخندقجي _نابلس _محكوم بثلاث مؤيدات والمبادر بمشروع صندوق دعم أدب الأسرى.

أدبه الإنساني خرج من رحم الوجع اليومي والمعاناة النفسية والقهر الذاتي، معبرًا عن مرارة التعذيب وآلام التنكيل، وهموم الأسير وتوقه لنور الحرية وخيوط الشمس ولدت أعماله الأدبية في عتمة وظلام الأقبية والزنازين أنتج وسائله الخاصة لتبقى المعتقلات مفعمة بالحياة الثقافية المناهضة للاحتلال ليؤكد أن أدب السجون قد أكتسب خصوصية الثورة وعنف المقاومة، كما أنه أهم روافد الإبداع والتطور الفكري والثقافي والأدبي التي تبحث عن حقها الضائع في البحث والنقد.

كتب باسم الكثير من الدواوين الشعرية والروايات أهمها: ديوان “طقوس المرَّة الأولي إضافة إلى ديوانه “أنفاس قصيدة ليلية”، من تقديم الإعلامي الشاعر زاهي وهبي.

رواية مسك الكفاية _باسم الخندقجي

تتطرق الرواية إلى فصل زمني في غاية الأهمية من تاريخ العرب والإسلام في العصر العباسي، تحديدًا في العصر الذهبي الزاهر الذي يمثله أبو جعفر المنصور والمهدي والهادي وهارون الرشيد، وعنها تحدث :

«ثمة ناحية في جنوب الجزيرة العربية خارجة على حكم الخليفة العباسي، وقد جاءت سرية جند من جيش أبي جعفر المنصور لإخضاعها، وفي موازاة هذا المشهد الدموي أسرة فقيرة الحال من شبوة في حضر موت، مات معيلها قبل عشر سنوات، وراحت الأم الوفية تعمل هي وابنها الكبير في حقل لتحصيل الرزق للأسرة،

وفي بؤرة السرد فتاة جميلة هي بطلة الرواية التي تأخذها المقادير إلى حيث لم تكن تتوقع، لتصبح سيدة الظلال الحرة على رأي الكاتب ، ولتجابه ذكورية التاريخ وتنتصر عليها.

ومن هنا، لا بد من الانتباه لتفاصيل المشهد الذي يسبق لحظة المفاجأة: فتاة ممشوقة القوام فاتنة ، وأمها دائمة القلق عليها، والفتاة لا تطيق البقاء في البيت، فتذهب إلى الحقل حاملة الطعام إلى أخيها، وفي الطريق يقبض عليها أمير الجند، ويظن أنها تحمل الطعام للمتمردين على الخليفة، يدهشه جمالها، وبجملة واحدة يحكم على مسار حياتها اللاحق: أنت ستكونين هديتي إلى مولاي الخليفة.

 

معاناة باسم ولدت لدية الإيداع  وارتقت به إلى الروحانية التي هي جسد الشعر ، وهذه قصيدة «ناي الفراشة » من ديوان طقوس المرة الأولى.

 

يبدأُ من نقطةٍ سوداء

بتشكيل خربشان لؤلؤية…

ويرسم النهوض للتجربة

من بْين ثنايا الحرّية ..

يرفضُ تبعثر خطّة داخل

أجواء الخيال..

ويقترب أكثر من أناقةٍ واقعية

تُفكرُ بالانتحار خشية عدم

توافقها مع شجنِ العدم ..

يمسحُ دمعة الحرف ويُلَمْلمُ

على حرفٍ عنوان حلمة القادم..

على

حرفٍ

عنوان

حلمة

الاثدم

عاصفةٌ تنفضُ بريحها غبار القديم ..

كي يصل الوميضُ من ماضٍ بعيد

نورُه يقتلُ ظلام ” الاتي “

ويمضي..

 

 

 

قمة الانتظار _الأسير حسن يوسف محمود البتري السجن _ عسقلان

 

قمة الانتظار مشكلتي انني عرفت الحقيقة في زمن الهبوط وزمن القنوط وزمن الهزيمة وزمن الانحدار وصرت اقول الحق جهارا فهذه فضيلة وهذه رذيلة وتلك هزيمة وهذا انتصار فاين وصلت واين انتهيت وفي اي بحر شراعي نصبت وفي اي جحر تراني حفرت وفي اي حفر تراني هويت وفي اي نار ها انا اسبح في عرض بحر كثير الموج بعيد القرار فحينا قرش ينهش وحينا يبطش بي اعصار ومع هذا ومع ذاك فانا في قمة الانتصار

اماه اماه قد طال الغياب واستقر بي السفر توهجت جمرات شوقي والقلب في صدري تسعر وانفطر وتقاطرت دمعات عيني مثل سيل منحدر اني مشتاق واحر شوقي او ليس للثوار اشواق تثر او ليس للثوار احباب اخر يا عاذلي في الشوق اعلم او تعلم ان كان شوقي للاحبة جدلا فالحب للاوطان ضاق به البحر اماه لا تشكي الزمان ولا الطوالع ولا القدر انا اناس راغبون عن اللذائذ ناكفون عن البصر ان اللذائذ تحت نير الاحتلال مزن مهل منهمر ان الاطايب في ظلال الذل خردل بل هي امر اقسمت يا اماه لن اهاون لن اسامح لن اصافح من غدر اماه ان ازف الرحيل ولاح في الافاق نجمه اتركي لي طرف منديل مبلل وبعض شعر من دروب السجن شلل واتركي لي من ثياب طفولتي ثوب مشلل علني انصب ثورة بحبل خيمة اماه ان ازف الرحيل ولم يعد بالروح نسمة اورثيني من دموعك دمعة في حجم غيمة

ايها الجلاد ايها الجلاد اسرع حتى لا يقتلك غضبي ضع قيدك في معصمي القتي في مناخي بلادي او احفر لي قبرا يأوي رفاقي فلا ابالي لم يبق لي علم ولا دولة لم يبق لي بيت ولا خيمة فلا ابالي ان شئت اسكب سوط عذابك في عظامي واضرب بخنجرك المسموم خاصرتي حتى نخاعي فلا ابالي هاك ابني يبحث عن كسرة خبز في الحاوية نحيفا شاحب الوجه ذو ساقين عارية يحمل في يمناه حجرا وكسرة خبز ثانية ان شئت فاقتله فلا ابالي اقتل خرافي وشياهي السائمة واحرق بنارك كل اخضر يانع فلا زالت سنابل قمحي صائمة ولا زالت سماء ارضي غائمة

 

حلم في زنزانة _أنيس القصاص

بين الكروم .. مع ضوء الشمس والغيمات المحملة بالمطر والسحاب ..بوابتها تدخلنى اليها رغما عني “لو جئت قبل ذلك” شجعتنى ..هجرتنى ..عيونها .. سكوتها ..ارتعاشتها ..مغيب حزين ..ضوء باهت ينسل الى ..امسك قلبى بكلتا يدى ..ادخلتنى دوامه خطرة ..تعالجنى صامته ..تلامس خلاياى ..تقربنى ..تمدحنى .. تهجونى ..اصعد حاملا وجعى  اعتقال عنيف ..قنبله متفجرة .. ممنوع التجول .. “اسكت ياخواجا” .. رفيق السالمى ..حفرة خطرة ..جيب صغير ..ندار “افتح جيش ” امى تدور فى الامكنه ..سلاسل وقضبان ..سجن غزة المركزى ..شباك صغير ..طابور انتظار .. ابو داود ..تفتيش ..نمسك افراحنا ..نركض ..نتقافز .. نوار هناك .. بدله اعتقال ..الثورة مستمرة حتى النصر ..ينتضف نهارى وعبرتها اخيرا. زنزانه فارغه ..عبرتها انزف من جسدى ..دمى فاض من رئتى ..من قلبى الممزق ..عبرتها اشق طريقا للعذاب ..ادخل مقبرة فاسمع صرخه وحش ..عبرتها وصدرى به وجع وانين ..سكاكين تنهش لحمى بحد الجنون وبرغم العساكر ..صاحت هرواتهم “هناك سكون ” ..يتمدد عبر مساماتى .. احلم براحه مع القمر .. مع الهويه .. الشهداء يلتقون فى الجنه ..زنزانتى موحشه ..عقارب وجثث ..السنه لهب ..بحر صاخب ..غاصب ..شعب هائج ..ثائر . جاء فوج الجنود لياخذوا روحى بعيدا عن الارض”هذا الوجود “.. هنا سوف تنموبراعم ثورة ..تقول دمائى ..ان البراعم شمعه فتكتظ كل الزنازين والامكنه ..شلاشل فوق شلاشل ..تطفو نجمه .. تتكسر هذى القيود .. وداعا فقد جاء موعد نومى ..القيت صدرى على شجر .. احسست ان الغصون تعانق قلبى وتلك الرمال. بهذي الدماء تخضبت الروايه .

 

تأملات في السجن_ المتوكل طه

تستيقظ مرهقاً، كأن تعب الزمان كلّه حلّ في بدنك، تقوم متثاقلاً، تغسل وجهك كأنك تصفعه بالماء البارد .. وتجلس بلا مبالاة على الأرض، دون اكتراث، ولا تنظر لشيء .. كأنك وحيدٌ على قمة هرم من الغبار اللامتناهي .. ويمضي الجنود، ويجيء الفطور .. فلا تأكل! ثمة حجر خشن يسدّ بلعومك! تنهض، بعد أن تبلّ جرعةُ شاي جفافَ فمك، وتشعل سيجارة “أُسكت” .. وتمضي إلى الخيمة، تعيد فرْش البطانيات، وتسقط على وجهك في نوبة بكاء، تحاول أن تخفيه، بأن تغمر وجهك في البطانيّة الوسادة، حتى يدخل أحد الأصدقاء، ويسمع نهنهة صدرك، واضطراب رأسك المهتزّ .. يقترب منك.. ويمسّد شعرك، فتنهض، محاولاً إخفاء وجهك، وبكُمّ قميصك تمسح دموعك .. فيشعل لك سيجارة ويعطيك إياها .. ويسود صمت كاوٍ ..

تحاول أن تنظر إلى عينيه، فتجد ماءً زجاجياً يبرق فيهما..

– لماذا نعود إلى هذا المعتقل؟

الظُلْم ثقيل .. ثقيل .. ثقيل ..

المثقف والأيديولوجية بين التأثر والتأثير بقلم الأسير ماهر عرار /سجن النقب الصحراوي

بين من يذهب إلى الاعتقاد بأن التحولات السياسية والشعبية في المنطقة العربية على الأقل في غضون السنتين الأخيرتين ،وضعت المثقف ودوره المناط به سياسيا وأجتماعيا ،تحت طائلة المسألة والمحاسبة القيمية والمبادئية ،وبين من لا يتفق مع توقيت المحاسبة والمسألة أعتقادا منه أن دور المثقف وتداعي ديناميكيته أو بالأحرى أخفاقه وفشله الذريع عربيا في عصرنا الحديث في ظل الدولة الحديثة ،لا يعد وليد اللحظة لا بل أن أنقشاع قصوره التي كانت أحد أفرازات الثورات المصطلح عليها بالربيع العربي،هذا الأنقشاع لم يمثل مفاجئة أو أن شئت لم يحدث صدمة كبيرة مؤلمة،حيث أن عقم المثقف صاحب عقم الدولة والنظام والحزب منذ النشأة ،فبدا وكأنه الجنين المشوه أو الغير شرعي نتيجة تلاقحه مع النظام والحزب الواحد والأوحد . بين هذا وذلك وبعيدا عن الجدل حول ذلك ،تعد مرحلة ما بعد سقوط الأنظمة الشمولية وبالتالي سقوط المثقف وعجزه ،تعد هذه المرحلة ملحة أكثر من أي وقت مضى لتشخيص حالة المثقف العربي والبحث في أسباب وملابسات عجزه الذريع مقارنة بالمثقف الغربي ودوره في الحياة العام وعلاقته بالدولة والمجتمع منذ الثورة الفرنسية وحتى قبلها بعقود وصولا لعصرنا الراهن . لا شك أن ثمة متلازمة بين المثقف والأيديلوجية التي تمثل فكرانيته العقائدية وشمولية أعتقادته الدنيوية ،على غرار المثقف الأيطالي غرامشي (المثقف التقليدي)الذي يعتقد بوجوب صياغة المعرفة وتعميمها ونشرها وبالتالي التأثير في الرأي العام والمجتمعي وبوصلته . هذا التفاعل من قبل المثقف الغربي ،تندر وجوده في المجتمع والحياة السياسية والثقافية العربية ألا ما نذر من أصحاب الفكر التقدمي الكادح في ظل أختلاط المعاير والمحددات التي من شأنها تعريف كينونة المثقف …فهل للأيديلوجية علاقة تأثر وتأثير في هذا الأفراز الثقافي المشوه ؟،أذا ما قارنا بين المثقف الغربي والعربي يتضح أن الأيديلوجية متلازمة للمثقف وجزء من كينونته وأعتقاداته ،لكن هذه المقاربة لا تبرء ساحة المثقف العربي ،حيث أن التشابه الأيديلوجي الظاهر من حيث توفر الأيديلوجية وبالنظر لأبداع الأيديلوجية والمثقف الغربي في مقابل تعثر الأيديلوجية والمثقف العربي،يلح بأتجاه تسطيح الأيديلوجية خاصة المثقف العربي وبالتالي تفكيكها وفهم عضالها . لا شك بأن تحليل الأيديلوجية الثقافية العربية يقتضي تحليله من منطق علمي بحثي لا يعطيه المقال هذا حقه وأستحقاقه،مع ذلك من اليسير أستجلاء عضال الأيديلوجية العربية بقليل من الوعي التاريخي للمثقف وعلى وجه الخصوص منذ النصف الثاني للقرن العشرين .

حيث كان من الواضح وجود ارتباط بين المثقف والحزب وإستتباع الرجل الأوحد والدولة في رابطة عضوية جدلية ،الأمر الذي أوجد تزاوج بين أيديولوجية المثقف وأيديولوجية الحزب والنظام ولعله ليس بالخافي على أحد أن الأيديولوجية الحزبية أثبتت فشلها واحترابها مع التقدم والتنوير ،وبالتالي إفراز علاقة غير شرعية أحدثت اختلال قيمي عقائدي في دور المثقف ،أحالته من الإطار الأيديولوجي التنويري و الإستشرافي ،الى الأطار الوظيفي البيروقراطي التبريري التابع والمستتبع لعقيدة الحزب وأيديلوجيته وسياساته أجتماعيا وسياسية وثقافيا.

 

هذا الاختلال أحال في مقابل ذلك المثقف التقليدي العربي الموازي الى الطبقة الوسطى التي اختزلت مدياتها في مستوى المعيشة وقوت يومها وتسليمها لواقع الهزيمة،وبالتالي انفراد المثقف العضوي في علاقته وتزاوجه مع النظام ليصاحب الدولة والحزب بإخفاقاته وزيف شعاراتها حتى قبيل الربيع العربي الذي عجل بإلحاح من ضرورة أعادة تعريف المثقف والأيديولوجية وعلاقتها بتعثره المريب .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق