دراسات

كتاب “معاهد العلم في بيت المقدس”

عرض وتعليق: عبد اللطيف زكي أبو هاشم

كنعانيات_غزة

كتاب معاهد العلم في بيت المقدس
تأليف: د. كامل جميل العسلي
عرض وتعليق : عبد اللطيف زكي أبو هاشم
مدير دائرة المخطوطات والآثار – فلسطين – وزارة الأوقاف .

قدم الدكتور جميل كامل العسلي إلى المكتبة العربية الفلسطينية، وما يختص ببيت القدس بالذات، كتبًا ودراسات هامة ساهمت في الكشف عن الكثير من القضايا الداعية الهامة للقدس وما حولها.
وتتميز دراسات وأبحاث العسلي رحمه الله بالمنهجية والعمق البحثي والمصادر المهمة المخطوطة التي لم يتح لأحد الاطلاع عليها من قبل مثل:

1- سجلات المحكمة الشرعية في القدس .
2- الوثائق والحج والوقفيات الشرعية .
3- الدراسات والكتب التي كتبت باللغات الأوروبية، كاللغة الإنجليزية واللغة الألمانية والتركية وغيرها .
4- رجوعه إلى الأرشيف العثماني الذي تقدر وثائقه بالملايين .
وعليه سار رحمه الله على هذا المنوال في جميع كتبه ودراساته، وعلى رأسها كتابه الهام : ” وثائق مقدسية تاريخية ” الذي جاء في ثلاثة مجلدات .
وفي هذه المقالة نريد أن نسلط الضوء على كتابٍ هام، من كتبه ولعله من أهم ما كتب عن مدينة القدس، وهو: ” معاهد العلم في بيت المقدس “.

عرض الكتاب:
الكتاب من المقاس المتوسط، جاءت صفحاته في 438 أربع مائة وثمانٍ وثلاثين صفحة، مزودًا بالفهارس الفنية والعلمية والتاريخية، إضافة إلى الصور التاريخية النادرة والوثائق والخرائط .

محتويات الكتاب:
احتوى الكتاب على مقدمة وخمسة فصول، وكل فصل على عدة مباحث:
ينوّه الكاتب في مقدمة الكتاب إلى قضية هامة، وهي: أنه لا يمكن أن تكون محبة الوطن كاملة إلا إذا عرفناه ودرسناه( ) من مختلف النواحي .

كما يشير العسلي إلى أهمية إنقاذ تراث فلسطين وبيت القدس، فيقول: “خرجنا من الدراسة بانطباع عميق عن نفاسة تراث هذه المدينة {القدس}، كما خرجنا باعتقاد جازم بأن المبادرة لإنقاذ هذه التراث تحت كل الظروف ورعايته هي ضرورة ملحة لا تحتمل المزيد من الانتظار … وليس صحيحًا الرأي القائل: إن العمل لإنقاذ التراث لا يمكن أن يتم إلا بعد الإنقاذ السياسي، وبعد التحرير .. فلا مجال للانتظار، ولا بد أن تتضافر جهود رجال المال والثقافة والحكم لعمل أي شيء ممكن الآن. إن ترميم مدرسة قديمة، أو تنظيف رباط، أو تجديد مسجد، أو صيانة الكتب أو ترميم المخطوطات هي أعمال بسيطة قليلة التكاليف ولكنها أعمال ذات مغزى عظيم يبين للملأ أن القدس ليست مجرد شعار يتردد على شفاه العرب والمسلمين، بل هي عمل جاد( ) .

ويقدم لنا الكاتب أهمية دراسته فيقول: ” لقد شملت هذه الدراسة فترة طويلة حوالي 1300 سنة من الفتح الإسلامي، حتى بدايات النهضة الحديثة في أوائل القرن التاسع عشر، ووأوائل القرن الثاني عشر الهجري، وتناولت المسجد الأقصى والمدارس والمؤسسات الصوفية من زوايا وخوانق وربط ودور الكتب الإسلامية ” .
ويناشد العسلي الباحثين والدراسيين ومنبهًا بأن الموضوع ما زال في حاجة إلى درس مستفيض، وما كتب هو فقط مقدمة لا أكثر، فهناك الكثير من الثغرات التي لم تملأ. وهناك المزيد من التحقيق، وإذا صلحت هذه الدراسة لأن تكون منطلقًا لمزيد من البحث، فهذا ما نبتغيه( ) .

محتويات الكتاب:
– الفصل الأول: المدارس في الإسلام لمحة عامة .
– الفصل الثاني: المسجد الأقصى معهد علمي كبير .
– الفصل الثالث: مدارس بيت المقدس لمحة عامة .
– الفصل الرابع: مدارس بيت المقدس .
– الفصل الخامس: الصوفية ومؤسساتها في بيت المقدس .
– الفصل السادس: دور الكتب في بيت المقدس .

عرض فصول الكتب:

الفصل الأول: المدارس في الإسلام:

نبّه الكاتب إلى أهمية المسجد كأول مركز تعليمي ورئيس في الإسلام منذ عهد النبي صلَّ الله عليه وسلم ومنذ الخلفاء الراشدين إلى العصور الإسلامية المختلفة إلى أن يصل إلى (لاجين) المملوكي الذي جدد مسجد ابن طولون، وكان يلقي فيه محاضرات في القبة .
كان المسجد هو المركز العلمي الأول في الإسلام كما كان مركز الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية( ) .
وقد ضرب المؤلف عدة أمثلة، واستعرض مدارس كان لها أثر كبير في الإسلام، مثل المدرسة النظامية في بغداد .
ويوضح العسلي جوهر النظام التعليمي وسير العملية التعليمية، مبينًا كيف كان للمدرس معيد, أو معيدان، أو أكثر، وغالبًا ما كان له مُعيدان، والمعيد كان يتولى شرح الدرس للطلاب، ويفسره، ويأخذ بيد الطلاب الضعاف ويساعد في شؤون التدريس عامة .. وكثيرًا ما كان يرقى المعيد إلى مدرس” .

ويبين الكاتب أهمية نظام الوقف الذي كان يتولى الإنفاق على المدارس حيث كان هذا النظام من أهم الأسباب لفتح باب التعليم للفقراء، حيث وفرت لهم الطعام والشراب وجميع مرافق المعيشة والعلاج”( ).
ومما يعزز نظام التعليم حيث الاستقلال المالي عن الدولة ما عزز استقلالها علميًا وسياسيًا وثقافيًا .

وفي الفصل الثاني يلقى المؤلف الضوء على المسجد الأقصى كمعهد علمي كبير ومقصد الحجاج والزوار والسائحين والمجاورين، لأنه مهوى أفئدة مئات الملايين في كل أنحاء الدنيا. وحيث أن فضيلة وقيمة أرض فلسطين كبيرة، ويعدد الكاتب العشرات من العلماء الصلحاء الذين تواجدوا في بيت القدس منذ صدر الإسلام وحتى أواخر العهد العثماني .

وفي نفس الفصل يكشف المؤلف عن قضايا هامة حدثت على أرض بيت المقدس، ويسلط الضوء على توافد العلماء من الأقطار الإسلامية، المجاورة وحتى البعيدة، كقدوم حجة الإسلام أبي حامد الغزالي 488ه، حيث اعتكف في المسجد الأقصى ودرسّ في المدرسة النصرية، وألف حجة الإسلام كتابة الشهير:( إحياء علوم الدين) في المسجد الأقصى، وكتابه: (القسطاس المستقيم النظر في محك النظر في فن المنطق) .

ولكن الحدث العلمي الأشهر والأكبر في تاريخ الإسلام والعلوم الإسلامية هو كتاب” إحياء علوم الدين” الذي كان له أثر كبير في فكر الأمة الإسلامية طوال قرون عديدة .

وقد روى عن الإمام حجة الإسلام الغزالي ما نقله الإمام السبكي في طبقاته أنه قال: ” أنه كان في المسجد الأقصى ثلاثمائة وستون مدرسًا ويقال أنه بكى حينئذ إذ لم يجد في هذا المسجد غير هذا العدد من المدرسين .
ويقول السبكي في طبقات الشافعية: إن الإمام الغزالي اجتمع هو وإسماعيل الحاكمي، وأبو الحسن البصري وإبراهيم الجرجاني، وجماعة غيرهم في مهد عيسى بالمسجد الأقصى، وعلماء كبار من أئمة ومجتهدين في المذهب، ومحدثين.
وقد عزز هذه الصورة الإمام أبي بكر الله العربي، حيث بيَّن لنا أن المسجد الأقصى والقدس كان مليئًا بكبار العلماء الذين اجتمع بهم، واستفاد منهم، ما جعله يطيل الإقامة في القدس .

وقد كان المسجد الأقصى المعهد العلمي الكبير الوحيد في القدس في القرون الأربعة الأولى للهجرة .
ويطلعنا الكاتب على صورة مضيئة ومشرقة من تاريخ الإسلام المشرق، وتواصل علماء الشرق والغرب، وكما أسماه الكاتب “الطابع الدولي” للمدرسين والدارسين في المسجد الأقصى كغيره من المعاهد العلمية الكبيرة في العالم الإسلامي، فقد ظل العلماء والدارسون يقصدونه بعد الفتح الصلاحي .

كما كان قبلة العلماء من بلاد الهند والأفغان وفارس والعراق وسوريا ومصر والمغرب والأندلس للدرس والتدريس. وبين هؤلاء كثرة من علماء المغرب جاؤوا إلى القدس، وأخذوا عن علمائها، ومنهم ممن ظهر في القرن السابع الهجري: محمد بن عمر بن رشيد الفهري السبتي الذي سجل رحلته إلى المشرق: “ملئ العيبة فيما جمع بطول الغيبة”، ومنها جزء يتعلق بزيارته للقدس . وكانت الزيارة سنة 683ه .

وقد عدد الكاتب أسماء علماء كبار من المغرب زاروا بيت المقدس، وكتبوا انطباعاتهم وصوروا لنا حلتهم وفيهم أبو عبد الله العبدري الذي زار القدس سنة 689 .

وحضر فيها دروسًا في المسجد الأقصى وكتب رحلته في جزء كبير والقاسم بن يوسف التجيبي وضع رحلته إلى المشرق في 3 أجزاء، وزار المسجد الأقصى، وتحدث عنه، وهناك الكثير ممن لم نستطع أن نأتِ على ذكرهم .
ويلفت الكاتب أنظارنا إلى قصة هامة، وهي: أنه بعد الفتح الصلاحي أخذ موضوع فضائل بيت المقدس يحتل مكانًا هامًا حيث كتب عنه عدة مؤلفات في فضائله وساهمت في تعزيز مكانته في قلوب أبناء الأمة الإسلامية، ولشحذ الهمم في الدفاع عنه، مما حدا بالكثير من توافر أبناء الشعوب الإسلامية، ليلبّوا دعوة الجهاد للدفاع عن بيت المقدس، أولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين الشريفين .

فجاء أناس من بلاد المغرب، واستقروا في بيت المقدس، وقد أبلوا بلاءًا حسنًا في الدفاع عن بيت المقدس واسترجاعها من الغزاة الصليبين .
وقد تقل لنا الكاتب عدة عناوين مهمة في هذا الكتاب .(صـــ38 )
والفصل الثاني: مدارس بيت المقدس، لمحة عامة، أورد الكاتب في هذا الفصل أسماء تسع وستين مدرسة في القدس القديمة أسست في الفترة التي أعقبت الفتح الصلاحي للمدينة، وامتدت حوالي أربعة قرون. وربما كان بين هذه المدارس بعض الخوانق والزوايا أو المدارس والخوانق.

وفي نهاية الفصل يذكر الكاتب أنه عندما زار السائح التركي” أوليا جلبي” القدس في أواخر القرن الحادي عشر الهجري كتب يقول: “هناك ثمانمائة موظف يتقاضون رواتب في المسجد الأقصى، ومن ضمن هؤلاء: أئمة المذاهب الأربعة، ووعاظ وسلاطين ومدرسون وخدام. وفيه من المؤذنين والمسبحين والمبلغين والقراء والسدنة. وكانت رواتب هؤلاء تدفع من جيب السلطان، فإن خازن السلطان كان يأتي سنويًا، ليوزع عليهم الهبات والهدايا، وكان المقادسة يسمون هبة السلطان “الصرة” وكانت الصرّة تشمل، بالإضافة إلى المال، كميات من اللحم والخبز والمؤن المختلفة كانت توزع على مستخدمي الحرم حسب وظائفهم .
وكان التعيين في وظائف الحرم يصدر ببراءات سلطانية. وكثير من الرواتب كانت تدفعها دائرة الأوقاف في القدس بموجب البراءات التي أصدرها السلاطين العثمانيون إلى الولايات .

الفصل الرابع: مدارس القدس

المدرسة الصلاحية
يشير الكاتب إلى أهمية المدرسة الصلاحية، حيث إنها أشهر مدارس القدس الإسلامية بلا جدال، وأطولها عمرًا, حيث بقيت ستة قرون من سنة 588هـ – 1192م حتى أواخر القرن الثاني عشر الهجري والقرن الثامن عشر الميلادي, وبهذا تكون المدرسة الصلاحية أقدم مدارس القدس الإسلامية.
ويذكر لنا العسلي المؤامرات التي تعرضت لها المدرسة الصلاحية من طمس وهدم وتخريب، إلا أنها بقيت شاهدًا من أهم شواهد العلم في الحضارة الإسلامية وتاريخ القدس، ويشير المؤلف إلى الأيادي التي حاولت أن تعبث بها من حكام وغزاة وملوك ورؤساء ومسئولين.

ويشير العسلي إلى صورة ناصعة للقائد التركي جمال باشا الذي طوّر المدرسة الصلاحية إلى كلية إسلامية، أسماها:( كلية صلاح الدين الأيوبي)، وجلب لها الأدوات المطلوبة من ألمانيا، وفتحت المدرسة من جديد بعد أن وضع لها نظامًا عصريًا في التعليم. واستمرت المدرسة الجديدة حتى 9 كانون ثاني 1917م، وهو اليوم الذي احتل فيه الإنجليز القدس. وأعاد الانجليز المكان الى الآباء البيض, وأعاد هؤلاء فتح المدرسة، وأنشأوا فيها مكتبة ومتحفا( ) .

تأسيس الصلاحية :

تم تأسيسها في شهر رجب 583هـ عندما افتتح صلاح الدين بيت المقدس، وبعد الفتح بأيام، وفي شهر الفتح نفسه، قرر السلطان إنشاء مدرسة للشافعية.
ويلقي الكاتب الضوء على العلوم التي كانت تدرس في المسجد الأقصى من علوم دينية وعلوم العربية وعلم التاريخ والرياضيات، من حساب وجبر ومقابلة
ويورد في صفحة (77) أسماء شيوخ المدرسة الصلاحية بالقدس الشريف, ثم يعرج على مدارس القدس الأخرى، ومن (ص 96- 294) يقدم المؤلف قائمة طويلة عددها سبع وستين مدرسة، جميعها كان لها النصيب الأكبر في إحياء ما اندرس منها، وساهمت مساهمة كبرى في التربية والتعليم ونهضة الحضارة والعلوم الإسلامية, وخرجت جيلًا كان له شأنه حيث ضرب سهمًا وافرا في العلم والثقافة، وجدد علوم الأوائل، وفي نهاية الفصل أورد كل ما يتعلق بالبيمارستان.
والبيمارستان الصلاحي، وهو حسب الكاتب، مؤسسة كبرى كان لها دور تعليمي هام، أنشأها صلاح الدين الأيوبي، وعاشت بعده قرونًا عديدة حتى القرن العاشر الهجري. وكان البيمارستان يقوم بالأعمال التي تقوم بها المستشفيات عادة، من مداواة للمرضى، وكان يوزع الأدوية، كل ذلك دون مقابل، غير أنه كان أيضًا مركزًا لتدريب الأطباء، وقد أشرف على هذا البيمارستان كبار الأطباء في العالم الإسلامي(ص294-297).

الفصل الخامس
الصوفية ومؤسساتها في بيت المقدس
تحدث المؤلف عن الصوفية ومؤسساتها في القدس، وأرّخ لظهور الحركة الصوفية في بيت المقدس، وتحدث عن الزهاد والصوفيين الأوائل وأعيان الأتقياء مثل: بشر الحافي وغيره من كبار زعماء الصوفية الأوائل أصحاب الطرق المشهورة.
ويلقي الكاتب الضوء على أوضاع الصوفية، فيقول :(وازدادت الصوفية في القدس مع مرور الوقت، حتى كان في المدينة زوايا لسبعين طريقة في القرن الحادي عشر، وحتى القرن الثالث عشر كانت المناطق المجاورة للحرم ملأى برجال الفرق الصوفية)( ) .
ثم يتحدث عن مراكز الصوفية والتعلم وبيوت الصوفية من زوايا وتكايا و خنقاوات، ويفصّل القول عن الفرق الصوفية (ص 310)،ويقف الكاتب عند مقولة الرحالة التركي ” أوليا جلبي” في أواخر القرن الحادي عشر حيث أورد أن في القدس تكايا لسبعين طريقة مثل الكيلانية والبدوية والسعدية والرفاعية والمولوية. وأكثرهم أهل ذوق، وأهل طرق ودراويش متصوفون( ).
ثم تحدث عن الزوايا والأربطة التي هي بمثابة أماكن ومأوى للمتصوفة، وأهم مكان تحدث عنه هو” الخانقاوات الصلاحية ” التي أنشأها صلاح الدين الأيوبي 585هـ (ص331)، ثم أورد أسماء جميع الزوايا التي وجدت في مدينة القدس منذ الصوفية الأوائل وحتى وقتنا الحاضر، وقد بيّن الكاتب أن جميع هذه الزوايا كانت تخدم التربية الدينية والروحية، وجميعها قد أوقفت لهذا الشأن .

الفصل السادس
دور الكتب في بيت المقدس
الكتب والمكتبات من أهم ركائز الحضارة والمدنية، ولا توجد أمة تقدمت في سلم الحضارة إلا وكان وراءها الكتب والمكتبات ودور العلم؛ لذلك أفرد الكاتب فصلًا كاملًا للمكتبات ودور الكتب في القدس وبيَّن أن أهم دار للكتب هي :
” خزانة المسجد الأقصى المبارك ” حيث كان المسجد الأقصى مركزًا من أهم مراكز الحياة الفكرية، ومدرسة لتدريس العلوم، خاصة العلوم الإسلامية، وكما هو معروف، فأنه لا يمكن أن تنتعش الحياة الفكرية التي كان مركزها المسجد الأقصى دون وجود الكتب والمخطوطات( )، ويكشف المؤلف عن مكتبة هامة ألا، وهي:- ” أن كثيرًا من الكتب، وخاصة كتب الفضائل، ومنها ” الجامع المستقصي ” لابن عساكر، “ومثير الغرام” لابن هلال المقدسي. كانت توجد في المسجد الأقصى، وكانت تدرسّ على الطلاب، ثم حفظت هذه الكتب في خزائن الأقصى.
وكانت ” خزائن المسجد الأقصى” تضم آلاف الكتب التي تبحث في علوم الدين والتاريخ والحساب والميقات وغيرها من العلوم .
ثم تحدث الكاتب عن خزائن المدارس الواقعة في ساحة الحرم وحولها، والتي كانت تشكل مع المسجد الأقصى وحدة واحدة. وكانت للمدارس مكتبات خاصة بها.
وينعي الكاتب مصير ما تبقى من الكتب والمخطوطات التي كانت في خزائن المسجد الأقصى وما حوله من مدارس، ويقول بأنه :” نزر يسير في أيام ازدهار المدارس والتدريس،”وقصة هذه الكتب والمخطوطات قصة محزنة مثيرة للأسى العميق فقد قسم كبير منها وتلف قسم كبير، آخر، وسرق أيضًا قسم كبير، أو بيع بأبخس الأثمان، وقد تضافرت أسباب عديدة على صنع المأساة فمدينة القدس كانت على مدى تاريخها من أكثر المدن معاناة وتعرضًا للنكبات. من زلازل وحروب ومجازر ومجاعات، وما كان يرافق ذلك من نزوح وهجرة وتدمير وهلاك للأرواح والممتلكات، وفي خضم ذلك ضاع من تراثنا فيه الشيء الكثير …، وينوَّه الكاتب إلى مأساة كتبنا ومكتباتنا فيقول نقلًا عن الدكتور اسحق موسى الحسيني في مقدمة لكتاب:” وثيقة مقدسية تاريخية “: “تسرب الكثير من كتب التراث إلى أوروبا وأمريكا، وهناك على سبيل المثال “صناديق مليئة بالمخطوطات في جامعة “هيد لبرج” في ألمانيا عليها ختم المسجد الأقصى” .
وبعد الاحتلال الإسرائيلي للقدس سنة 1967 تسرب كثير من الكتب إلى مكتبة الجامعة العبرية وغيرها من مكتبات مراكز الأبحاث في إسرائيل .
ومن المكتبات المهمة مكتبة المتحف الإسلامي حيث فيها من المصاحف النادرة التي كُتبت في العصور الإسلامية المتقدمة، وعددها 650 مصحفًا مخطوطًا كتب معظمها ما بين القرن الثالث والقرن الثاني عشر هجري .
وثم يعرف الكاتب على مكتبات الأسر المقدسية وغيرها من المكتبات الخاصة، مثل:

– المكتبة الخالدية .
– مكتبة الشيخ محمد الخليلي .
– مكتبة الموقت .
– مكتبة البربكي .
– مكتبة آل قطينة .
– مكتبة الشيخ خليل الخالدي .
– مكتبة حسن الترجمان .
– مكتبة عبد الله مخلص .
– مكتبة الشيخ حسام جار الله .

مكتبة الشيخ طاهر أبو السعود مفتى الشافعية السابق في بيت المقدس، ومن أعيان العلماء والمدرسين في مطلع هذا القرن، محفوظة في صناديق في بيت ابنه السيد يسار أبي السعود، في حي باب الساهرة: وكان الشيخ طاهر طليعة في علم الفلك، فضلًا عن العلوم الدينية. وهو الذي صنع المزولة الكائنة في الصخرة المشرفة . وهناك مكتبة في بيت المرحوم ضيف جار الله في ساحة الحرم .

وبختم الكاتب هذا الفصل، وهذا الكتاب، بمعلومات مهمة عن سجلات ووثائق المحكمة الشرعية في القدس . وهي في الحقيقة مكتبة ضخمة من الوثائق لا يمكن المبالغة في وصف أهميتها .
وتتميز السجلات بما فيها من معلومات هامة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية عن القدس .
فضلًا عن الأحوال الشخصية من زواج وطلاق ومعاملات عقارية، لأن المحكمة الشرعية هي المحكمة الوحيدة التي كانت تفصّل في جميع القضايا مهما كان نوعها، . وتكاد تكون هذه السجلات كاملة منذ عام 936 هــ وحتى الآن .

مقالات ذات صلة

إغلاق