دراسات

ديوان ابن زُقَّاعة الغزَّي وثيقة أدبية تاريخية

شاهدة وناطقة على المزاعم والافتراءات الصهيونية

كنعانيات_إعداد: م.حنين العمصي

ديوان ابن زُقَّاعة الغزّي وهو ديوان الشاعر الكبير برهان الدين محمد بن بَهَادِر القرشي الشافعي، ولد سنة 724هـ، وتوفي سنة 816هـ.

يعتبر ديوانه من أهم مخطوطات فلسطين النادرة، وهو قطعة أدبية ووثيقة تاريخية ناطقة لأصالة وعراقة مدن وقرى فلسطين بأسمائها التاريخية الحقيقية، وهو أكبر دليل على كذب افتراءات المقولة الصهيونية: “بأن أرض فلسطين كانت خالية من أهلها، ففيه صورة حية عن الناس والمدن والقرى والأزهار والمروج والأنهار”.

فهذا الشاعر الغزَّي المولد والسكن. بدأ خياطًا ولكنه تعلّق بالدين والثقافة والعلوم . وقد  لقيه في غزة أكثر من واحد ممن ترجموا له في سنوات مختلفة.  وتحدث عنه أحدهم بقوله : ” اجتمعت به في مدينة غزة في قدومي إليها في ربيع الآخر سنة 782 هجرية( أي عندما كان الشاعر في الثامنة والخمسين من عمره) فوجدته رجلاً كثير المعارف، ووقت جلوسي عنده دق الباب عليه مرات عدة . فكان يخرج ويجيء،  وهو مسترزق من العقاقير .. وهو رجل فاضل ويعرف قراءات القرآن ويصف أشياء للأوجاع كالأطباء ” .. كما يقول عنه ابن حجر العسقلاني في كتابه “إنباء الغمر” ” إنه كان أعجوبة زمانه في معرفة الأعشاب، مقتدرًا على النظم عارفًا بالأوفاق، وما يتعلق بعلم الحرف، مشاركًا في القراءات والنجوم وطرق من الكيمياء، وعظّمه الظاهر جدًا، حتى إنه كان لا يسافر إلا في الوقت الذي يحدده له”، وعدَّه الشيخ عثمان الطباع _ مؤرخ مدينة غزة _من النبغاء الذين أنجبتهم غزة هاشم، فقال: ” ونبغ منها _ (غزة) _ وتصدر فيها للتدريس في القرن الثامن الهجري وما بعده جماعة من أعاظم العلماء وأجلاء الفضلاء منهم: إمام المحققين وقطب العارفين أبو إسحاق إبراهيم الغزّي المعروف بابن زُقَّاعة الغزي، وكان آية في الطب والتشريح والفلك والأدب.

 وكما يتضح من سيرة حياة الشاعر أنه أخذ بحظ  وافر من علوم عصره وتعددت معارفه واتسعت مناحي ثقافته فلم يترك حاضرة من حواضر العالم العربي والإسلامي –آنذاك- إلا وقد زارها ولم يترك عالّمًا إلا أخذ عنه وأفاد منه وهذا ما يتضح لنا من سلسلة العلماء الذين أخذ عنهم وأجازوه، وقد عاش حياة عريضة وتوفي ودفن في مقبرة الأولياء بالقاهرة بعد أن بلغ الثانية والتسعين.

وبينما يمتلئ ديوانه بذكر حواضر فلسطين وأريافها وأماكنها المقدسة لا نجده يذكر مصر وربوعها ولو ذكرا عابرا . والذي يبدو لنا أن حياته كانت قسمين : أحدهما في فلسطين حيث مارس نظم الشعر وعاش وسط جماعة من رفاقه أتباع الطريقة الصوفية القادرية والثاني حياته في مصر إذ دعاه إليها من غزة السلطان المملوكي الظاهر برقوق لحضور احتفال بعيد المولد النبوي فأقام هناك ونال حظوة ومكانة كبيرة عند السلطان برقوق وكان يجلسه في رتبة فوق قاضي القضاة .

وأهمية ديوان ابن زُقَّاعة وقيمته الأدبية بمدح الرسول عليه الصلاة والسلام وذكر معجزاته والحج إلى بيت الله الحرام والتوقف عند المشاعر الحرام ميدانًا تصول فيه حركة القصيد وتجول كثيرًا .

 

 وعندما يقول الشاعر العربي الفلسطيني شعرًا في القرن الخامس عشر الميلادي يتحدث فيه عن ( الغور والبحر الفلسطيني ):

وطافَ محبوبُنا بالكأسِ في غَسَقٍ          

 

على النَّدامى فيسقيهم ويسقني
تشعشعَ الكأسُ في الظّلْماءِ من يده            فأشرق الغَورُ والبحرُ الفلسطيني

 

 

 وعن حياة عربية نشطة متحضرة معنية بإبراهيم الخليل ومقامه وقبره وبالأنبياء كلهم في أرض الأنبياء فإن ذلك شاهد من الحضارة وجزء من العقيدة التي تدمغ ببطلان كل صهيوني أثيم أقام دولته على أساس المغالطة والفرية القائلة:( فلسطين أرض بلا شعب وينبغي أن تكون وطنا لشعب بلا أرض ). وعندما يملك الشاعر هذه الخاصية التي تدفعه إلى ذكر الأماكن وتدوين أسماء مقامات أنبيائها وأوليائها وزراعات أريافها وعمران بلدانها فإن ذلك يشكل لدى كل مثقف فهيم في العالم بأسره اقتناعًا بزيف التغييرات التي تتوالى بيد الاحتلال عابثة بالطبيعة ومغيرة ومبدلة للكثير من المعالم والأسماء والمواطن. وسيظل شعر ابن زُقَّاعة مرجعًا ( أثريًا ) تاريخيًا فائق الأهمية لإعادة تخيل مواضع الأماكن التي تغيرت ومعرفة مواطن النباتات التي انقرضت أو اختفت في تلك الأراضي التي قلب المستجلبون اليهود ملامحها بجراراتهم وجرافاتهم وما زالوا يحاولون تهويدها دون أن يعبؤوا بشيء.


مقالات ذات صلة

إغلاق