مقالات

«حكماء كالحيّات»: تكافل الثلاثي ترامب/ نتنياهو/ ابن سلمان

صبحي حديدي

هل يحقّ للمعلق الأمريكي المعروف توماس فردمان التمتع بالحكمة الشهيرة، عمّن يأتي متأخرا فيكون خيرا من ألا يأتي البتة؛ وذلك في معرض نقده اللاذع لمسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تبرئة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من دم جمال خاشقجي؟ وهل يصحّ أن يكون مقاله الأخير في «نيويورك تايمز»، تحت العنوان الدراماتيكي «تنزيلات ترامب في يوم الجمعة السوداء: نفط، أسلحة، وأخلاق»، بمثابة غسيل لمقالات سابقة تلطخت بمدائح غنائية للأمير -القاتل، إياه، الذي يحاول ترامب غسل يديه من الجريمة- واستبشارات بما سيحمله للمملكة من «إصلاحات» و«رؤى»؟

وبالطبع، النفي هو الإجابة التلقائية إذا استند المرء إلى القواعد الأبسط في أية مدونة أخلاقية؛ ولكنه، في المقابل، سؤال نافل لأنّ سوابق فردمان في التقلّب والتبدّل والتسويغ والتسويف، لا تعدّ ولا تُحصى، من جانب أوّل.

وأمّا الجانب الثاني في المعادلة، فإنه -ببساطة- ذلك الاستطراد المرتبط عضويا بالسؤال الأصلي: ولكن، من جانب ثانٍ، مَن الذي بينهم، رؤساء الولايات المتحدة وتسعة أعشار معلّقيها المشاهير، كان بلا خطيئة، كي يستحقّ فضيلة الشكّ، أو هامش السماح، أو حتى حقّ الوصول إلى المشهد متأخرا؟ وفي ما يخصّ المملكة العربية السعودية، ولائحة «التنزيلات» دون سواها، أيّ رئيس أمريكي خالف العرف الشائع، منذ هاري ترومان وحتى ترامب، بصدد المليارات في عقود المشتريات، والتواطؤ على عشرات الملفات ذات الصلة بـ«القيم» الأخلاقية الأمريكية، كما سرد تفاصيلها الكاتب الأمريكي روبرت باير في كتابه «الذهاب إلى الفراش مع الشيطان: كيف باعت واشنطن أرواحنا مقابل الخام السعودي».

وقد يجادل البعض، ليس دون قرائن وجيهة، أنّ «امتياز» ترامب عن سواه من رؤساء أمريكا السابقين، في ما يخصّ ملفّ المقايضات الأمريكية ــ السعودية، هو أنه يميل إلى الصراحة والوضوح وتسمية الأشياء بمسمياتها؛ وعندما يتصل الأمر بشعار «أمريكا أوّلا»، بصفة محددة. حول مقتل خاشقجي، ليس للمرء أن يطمع في تصريحات أكثر انطواء في السطح على ما هو دفين في الباطن: قد يكون بن سلمان على علم بالجريمة (وهذا تقدير وكالة المخابرات المركزية أيضا)؛ وقد لا يكون (وهذه رغبة البيت الأبيض)؛ ولكن، في الحالتين، ما همّ شعار أولوية أمريكا؟ ومَن يكترث بمعاقبة أمير سوف يضخّ 450 مليار دولار في استثمارات شتى داخل الاقتصاد الأمريكي، بينها 110 مليارات على هيئة عقود سلاح؟ وأيّ «أهبل»، وفق قراءة ترامب، يمكن أن يضحي بهذه المليارات، أو يرسلها إلى روسيا والصين، مقابل صحافي يدعى جمال خاشقجي، لا يحمل حتى الجنسية الأمريكية؟

مَن يكترث بمعاقبة أمير سوف يضخّ 450 مليار دولار في استثمارات شتى داخل الاقتصاد الأمريكي، بينها 110 مليارات على هيئة عقود سلاح؟

وهكذا، للمرء أن يدع جانبا ماضي فردمان في التهليل لبرامج بن سلمان «الإصلاحية»، وليذهب في المقابل إلى ما كتبه أمس، في نيويورك تايمز» ذاتها، مايكل دوران الزميل في «معهد هدسون»، وتوني بدران الزميل الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»؛ تحت عنوان «ترامب فظّ، ولكنه على حقّ بصدد السعودية». هنا زبدة الرأي وخاتمته أيضا: «النصيحة التوراتية، أنْ ‘كونوا حكماء كالحيّات، وبسطاء كالحمائم’، توفّر استشارة صائبة لكلّ مَنْ يريد أن يرى مبادئه تؤثر في العالم.

ونصيحة ناقدي السيد ترامب طويلة في الأخلاق المجردة، وقاصرة في الحكمة الإستراتيجية». والأرجح أنّ الكاتبين لم يكونا على جهل، بادئ ذي بدء، بأنّ الإشارة إلى التوراة (من العهد الجديد في الواقع، إنجيل متى 10:16: «ها أنا أرسلكم كغنم في وسط ذئاب، فكونوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحمام»)؛ تستكملها هذه، في الإصحاح ذاته: «فلا تخافوهم. لأنْ ليس مكتومٌ لن يُستعلن، ولا خفيٌّ لن يُعرف».

في عبارة أخرى، لن يطول الزمان حتى تتكشف كل الحقائق وأدقّ التفاصيل، حول مسؤولية بن سلمان المباشرة عن إصدار الأمر بتصفية خاشقجي جسديا، وبالتالي سوف يُستعلن المكتوم ويُعرف الخفيّ؛ وسوف يصبح تصريح ترامب، التالي، مثالا نادرا على خروجه عن عادة شخصية مأثورة، في تسمية الأشياء بمسمياتها: «الملك سلمان وولي العهد محمد بن سلمان أنكرا بقوّة أي علم بالتخطيط لجريمة خاشقجي أو تنفيذها. وكالات استخباراتنا تواصل تقييم كلّ المعلومات، ولكن يمكن بالفعل أن يكون ولي العهد على معرفة بتلك الواقعة المأساوية، لعله عرف بها أو لعله لم يعرف».

دوران وبدران على حقّ، إلى هذا، في التذكير بأنّ إدارة الرئيس السابق باراك أوباما اختارت انعطافة محورية نحو إيران، فأغمضت الأعين عن المذابح التي ارتكبتها في سوريا موسكو وطهران وأتباعها، كما أعادت إلى آلة الحرب الإيرانية مليارات لا حصر لها. اللائحة، مع ذلك، يتوجب أن تتسع لأمثال الفليبيني رودريغو دوتيرتي، والمصري عبد الفتاح السيسي، والروسي فلاديمير بوتين، والسعودي محمد بن سلمان؛ وهذه لائحة تستعرضها سامنثا باور، السفيرة الأسبق للولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي، ولا يلوح أنّ المستشهدَين بالعهد الجديد يساجلان ضدّها؛ ليس دون تمييز ذرائعي أقصى: «طيلة 75 سنة احتمت المملكة بمظلة أمنية أمريكية مريحة، وفّرتها الولايات المتحدة لأنّ السعوديين ونفطهم لعبوا دورا محوريا إستراتيجيات أمريكا الاقتصادية».

وثمة جانب ثالث في المسألة، هو تلك الحال من التكافل والتضامن بين ترامب، في الرأس الأوّل للمثلث؛ ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في رأسه الثاني؛ والأمير بن سلمان، في الرأس الثالث… لجهة القاعدة السفلى أغلب الظنّ! وليس المتنبه لجوهر تلك الحال واحدا من «المشبوهين المعتادين»، كارهي سياسات رؤوس المثلث؛ بل نقرأه لدى معلق إسرائيلي مخضرم مثل تسفي برعيل، الذي كتب في «هآرتز» أنّ العلاقة بين نتنياهو وترامب «تشبه تلك التي تجمع بين لصوص الأحصنة»، كلّ يغطي على الآخر؛ وفي قضية خاشقجي تحولت دولة الاحتلال إلى مستشار لزعيم المافيا، ترامب، فتدخلت لديه كي يخفف الضغط على بن سلمان. ولم يتأخر ترامب بالطبع، إذْ أعلن ـ دون اللجوء إلى أية مداراة دبلوماسية ـ أنّ الامتناع عن إلحاق الأذى بالعلاقات الأمريكية ـ السعودية يهدف إلى «ضمان مصالح بلدنا، ومصالح إسرائيل، والشركاء الآخرين في المنطقة كافة».

من جانبه، فإنّ دانييل شابيرو، الزميل الزائر في «معهد دراسات الأمن القومي» في تل أبيب، لا يجد أي حرج يحول دون توقيع مقال بعنوان «لماذا تشكّل جريمة خاشقجي كارثة لإسرائيل»؛ يتضمن جملة من الأسئلة التي تلقي بظلال الشك على «كامل المفهوم الإستراتيجي للولايات المتحدة وإسرائيل في الشرق الأوسط، بسبب من ربط الكثير من خيوط تلك الإستراتيجية بشخص بن سلمان، وعهده الراهن والمقبل معا. «بالنسبة إلى الإسرائيليين، قد تكون هذه هي اللطمة الأقوى في مفاعيل جريمة خاشقجي. ذلك لأنّ هوس م. ب. س. بإسكات ناقديه دمّر عمليا محاولة بناء إجماع دولي حوله»، سواء في ملفّ «صفقة القرن» أو في ممارسة الضغط على إيران، يكتب شابيرو؛ ويتابع: «الضرر عريض. قد يخرج ترامب عن الصفّ العام، ولكن أيّ عضو في الكونغرس، وأيّ زعيم أوروبي، سوف يكون مستعدا اليوم للجلوس مع م. ب. س.؟».

ليس تماما، في الواقع، إذْ سوف تبدأ السبحة من محطة بن سلمان الأولى في مصر، بضيافة السيسي؛ ثمّ تكرّ، كما هو منتظَر، مع قمة الـ 20 G في العاصمة الأرجنتينية بيونس آيريس؛ ومَنْ يدري إذا كانت النبوءات سوف تصدق حول هوية الزعماء الذين سيأنفون عن لقاء بن سلمان، أو -على العكس، كما يقول منطق المصالح والذرائع- سوف يأخذونه بالأحضان… كأنه، مثلهم، من صنف الحمائم، لا الحيّات!

مقالات ذات صلة

إغلاق